ركب أبو الفخار، سفينة بخار، وتوسط اللجة، وعرض للأهوال املهجة؛ حيث شغف
بامللاحة، في فصل لا يحمد املسافر رياحه، فلما جرت السفينة، وتوارت عن املدينة،
ُ خرجت عليها أهوية مختلفة، من جهات غري مؤتلفة، واندفعت عليها الأمواج، فحرفتها
عن الاستقامة إلى الاعوجاج، هنالك انزعج الراكب وامللاح، وانعجم اللسان عن الإفْصاح،
َّ واشتغل الكهل، بنفسه عن الأهل، وهطلت الأمطار، وزمجر الرعد في جميع الأقطار،
ِب َس َ ت الأمعاء في الجوف، واستولى على الرئيس الفرق، ملا أيقن
وتبدل الأمن بالخوف، ويَ
بالغرق، وبينما هو يُ َّ كابد من الحرية ما لا مزيد عليه، ويتعجب مما آل أمر سفينته إليه،
ً إذ سمع قائلا يقول، وهو من ذوي العقول: ليتهم يطوون الشراع املنشور، ويقطعون
الصاري الأخري املكسور، عسى أن يكون وراء هذا الخطب، فرج يَ ُزول به الكرب.
َّ وكان الر ُ ئيس منه غري بعيد، فانَْشرح صدره بهذا الرأي السديد، وأشار إليَّ بالإجراء
على عجل، فقوبل بالامتثال على مهل. وكان في ذلك النَّجاة من العواصف، التي يعجز عن
َّ وصفها الواصف؛ لأن السفينة كانت قريبة من ساحل جزيرة، فطرحتها الأمواج عليها في
برهة يسرية، وبمجرد وصولها إلى البر، سكن الريح وركد البحر، وملا غاب الليل بغيهبه،
وآب النهار بكوكبه، انتقل أبو الفخار صاحب الحسب والنسب، في حلبة من أخدانه أبناء
الأدب، إلى هذه الجزيرة، الواسعة الخصبة النضرية، وجال فيها حتى انتهى مع الجماعة،
إلى مدينة ملك جدير بالإطاعة، يُعرف بنور الدين العادل، املوصوف بقول القائل:
املقالات الأدبية
جع م الشجاعة والخشوعرلبه ما أحسن المحراب في المحراب
وكان هذا امللك عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، عاكفً ا بكليته على ِ الجهاد
ُ ونصرة الخليفة، م ً تولع ُ ا بسماع الحديث، م ً عرض ُ ا عن كل شني وخبيث، مجتنبًا للإجحاف،
ُمقبلا على الإنصاف، منتهيًا عن املحرم من املشارب واملآكل، وامللابس التي يتبهرج بها
ً ا عند أوامر الشرع ونواهيه، آمرا بذلك رعيته وحاشيته وذويه، فلما تمثل
الجاهل، واقفً
ٍ القادمون بني يديه، وعرضوا بلا توان عليه، سألهم عن الحال، ومن أين الإقبال؟ فسارع
أبو الفخار إلى لثم راحته الشريفة، وترنم في مدحه بأشعار ابن القيسراني املنيفة:
لك الله إن حاربت فالنصر والفتح وإن شئت صً لحا ُعَّد نم زحكم الصلح
د وط ً ورا له صفح
وهل أنت إلا السيف في كل حة ال فط ً ورا له حٌّ
سقيت الردينيات حتى رددتا ه رتنح من سر ك فخل القانتصو ح
وما كان كف العز إلا إش ح ارة إلى الحزم لو لم يغضب السيف والرم
وقد علم الأعداء مذ بَّت جانا ح إلى السم ل امتنوي بذاك وامتنو ح
إذا ما ديار ملَّكتك عنانها تيقَّن من في غير اه أنه الذبُح
متى التف نع ق الجحفلن ي على ُه الدى فلا َم ْهه م يحوي الضلال ولا سفح
إذا سار نور الدين في الجيش غازاي فو قلوا لليل الإفك دق طلع الصبح
رتكت قلوب الشرك تشو ك رجاحا ه فلا زالت الشكوى ولا اندمل الجرح
صبرت فكان الصبر خير مغة ب فسيق إليك الملك يسعى هب النجح
كأن القا ن
املقالة الثالثة عشرة
وام الجود في الأملاك إلا تجارة فمن فه ات حد م الورى فه ات ر البح
ولم أختصر ام قلت إلا لأنني أعبر عما لا يقوم به الشرح
ثم قال بعد الإنشاد: إننا يا رفيع العماد، قد خرجنا على الجزيرة من البحر، بعد ما
يئسنا من النجاة وعدمنا الصبر؛ حيث هاجت علينا الرياح، من املساء إلى الصباح، وكادت
ِّ السفينة تغوص إلى القاع، لولا قطع الصاري وطي الشراع، وهذه هي حالنا ولا ندري ماذا
َّ يكون ارتحالنا، فأما الإقبال من مدينة مجهولة الاسم، بعيدة عن العمران منهوكة الجسم،
كانت في صدر الإسلام، منشورة الأعلام، وبتمادي الأيام، والشهور والأعوام، تغريت مبانيها
البديعة، وتهدمت معابدها وأبراجها املنيعة، وضاقت على العلماء ففارقوها، وفروا فرار
الورق من أقفاصها متى أطلقوها، فقال له: ماذا كان املراد من السفر، في فصل الرياح
َ العاصفة واملطر؟ وعلام َّعو َّ لت الآن، مع هؤلاء الأخدان؟ فقال: أما السفر فكان بصدد
بيت الله الحرام، وزيارة رسول الله سيد الأنام، ولولا اختلاف الرياح، لفزنا في هذا العام
َّ بالنجاح، وأما الذي عولت عليه، وركنت بعد التخلص من املهالك إليه، فهو التفويض
للحضرة امللوكية، التي فاض سحاب نوالها على البرية، فيما يستصوب لدى دولته العلية،
َّ وتتعلق به إرادته السنية. فقال امللك: أما أيام الحج، فقد تصرمت منها الحبال، ودخلت في
ُ حجاب الزوال، وكتب لك الثواب، ونجوت من العذاب، فإن أردت الإقامة، فلك ولأصحابك
الكرامة، وإن أبيت إلا الرحيل، إلى وطنك أيها النبيل، بعثنا بك إليه مع أول سفينة، تقوم
من هذه املدينة.
َّ فقال: أيها امللك املطاع املبجل، والخاقان الشجاع املفضل، أما أنا فلا براح لي عن
ُّ خدمة الر َّ كاب، وأم َّ ا أصحابي فإنهم يؤثرون على الإقامة الذهاب، فلما وعى منه ما به
َّ أجاب، قربه من سدته وقيده في سجل الحساب، وأرسل من كانوا معه من الإخوان، إلى
وطنهم بعدما غمرهم بالإحسان، وكان للملك عدة أولاد، كلهم من الشجعان الأمجاد،
فتمثلوا فيهم عند الوداع، بقول الشاعر الحسن الابتداع:
إذا وضعوا تيجانهم فضراغم وإن زنوعاهعنم ه فبدور
على أنم ه يوم النزال قساور ولكنم ه يوم النوال بحور
وبعد رحيل القوم،
املقالات الأدبية
ُربي من عهد نشأته على ظهور الجياد، وعرف بني كماة الفرسان بطويل النِّجاد، وهذا
فضلا عن سبقه في مضمار الأدب، وإحراز ما لا يتأتى لغريه إدراك شأوه فيه من الرتب.
فلما التقى الجمعان، وملعت الأسنَّةُ في الطعان، انحط على الغريم كالسيل، وطرح
َّ الأبطال من فوق متون الخيل، وفتك هذا الباسل الغريب، بكل فارس نجيب، وشوش
َّ الصفوف، وقطع الكفوف، وجدع الأُنوف، وأطاح القحوف، وفي أثناء ما كان يصول،
وعلى الأعداء يجول، وقع بزعيم الخوارج الغادر، فصاح به صيحة الأسد الخادر، وصدمه
صدمة هائلة، وطعنه في صدره طعنة واصلة، فلم تمنعها دروعه التي بها اعتصم، بل
أودت به إلى العدم، ثم جال على مصرعه وقال: هلموا إلى الحرب يا عصبة الضلال،
فانقض عليه من العصاة ألوف، وعطفوا عليه من كل مكان بالسيوف، وقبل أن تصل
إليه نجدة، وتُكشف عنه غمة الشدة، عقروا جواده، وملكوا قياده، وكان امللك فوق ربوة
َّ مشرفة على املعمعة، فلما شاهد بعينه في نزيله ما رو ِ عه، ع َيل منه الصبر، وسارع في
الحال إلى النصر، وأمر الجيش بالحملة، وكان أول حامل في الجملة، وأدرك هذا الفارس
الأوحد، وهو بالقيود والأغلال مصفد، فخلصه من الأخطار، وبلغه الأوطار، ولم يُعهد
عنه أنه فارق مخدومه في سفر، ولا فَ َتر عن ملازمته في حضر، وقد أثرى وازداد يساره،
وصفا عيشه وارتفع مناره، واستنهض إليه عائلته من بلده، وفرت عينه بأهله وولده،
َّ وفي هذا أدل دليل على شجاعته، وبسالته وبراعته، وأما سبقه في الآداب، وامتيازه على
كثري من ذوي الألباب، فهو أمر شهد به كل يعروف بالفضائل في عصره موصوف، ومن
ضمن ما نقل عنه من كتاب لبعض قرابته الأنجاب:
سيدي ما لي أراك عني في إعراض؟! وما لك عني غري راض؟! وما الباعث لك على
َّ الضن باملراسلة، التي قامت الأدلة على أنها نصف املواصلة؟! أظننت أن الثروة غريت
أخلاقي، وأخمدت مني لأحبابي نريان أشواقي؟! هيهات هيهات! أن أتزحزح في املودة
عن الثبات، أو أغفل عن التمثل بقول حاتم، الذي ضربت به الأمثال في السخاء واملكارم:
ً شربنا بكأس الفقر يوما وبالغنى واممنهما إلا سقا انهب ال ُر ده
فما ز ا ادنبي
املقالة الثالثة عشرة
معاذ الله أنسى الرفاق، وأتحول إلى الخلاف عن الوفاق، فكن جاريًا على العادة في
َّ كتب الوداد، وانشر بطريفها مطوي التلاد، متعني املولى بلقاك، ومن كل سوء وقاك، ولا
زال أبو الفخار الشهري، مقربًا من سدة مخدومه الخطري، حتى لقي ربه الكريم، وفاز
ُ برحمة الرحمن الرحيم، ونظم في سلك ذوي السيادة، وختم له بالسعادة.
Next
This is the most recent post.
Previous
Article plus ancien
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: