قال أبو املسرات، ابن أبي املبرات: إني لقيت شيخا من التجار، عليه سكينة ووقار، وله
بني أمثاله منزلة رفيعة، ودرجة سامية غري وضيعة، وكان قد بلغ الثمانني، وصدق عليه
قول بعض السابقني.
إن الثمانين وبُلِّغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
َّ ولقد نشأ هذا الشيخ من مدينة الأهواز، بني مشاء من ناسها وهماز، وكان في مبدأ
ْمِسِه، حتى إنه اتفق له في زمن
َ
ً أمره مجبولا على مطاوعة نفسه، غري مكثرث بغده وأ
ُ الشبيبة، أنه رمي من حوادث دهره بمصيبة، كانت نجاته منها سببًا في هدايته، وإقلاعه
دفعة واحدة عن غوايته، وما ذاك إلا أنه خالف أمه وأباه، في طاعة شيطانه وهواه، ورحل
مع قافلة من التجار إلى مدينة الأنبار، وبينما هي سارية بالليل، شاخصة بأبصارها
إلى سهيل؛ إذ خرجت عليها من مكان سحيق، فرقة من قُ َّطاع الطريق، وحملت عليها
ِ حملة الجبابرة، بعدما أحاطت بها كالدائرة، فطرحت رجالها قتلى على الأرض، ولم تراع
في حقهم السنة ولا الفرض، واستحوذت على البضاعة، وفقد كل واحد من أهل القافلة
ُصيب بضربة في الراس، فسقط على وجهه عادم
نفسه ومتاعه، وكان أبو املسرات ممن أ
ُ الحواس، وبقي بني الأموات مَّدة ثلاثة أيام، كان آخرها أول العام، ثم دبت الحياة فيه
َّ بعد سبع، ولو زاد على ذلك لأكله السبُع، فلما
املقالات الأدبية
استرجع وحوقل وطلب من الله حسن الخاتمة، وحاول النهوض على قدميه، فعجز وتعذر
القيام عليه، وبكى وأنشد في الحال، وقد أيقن بالزوال:
أقام على المسير ودقأنيخت مطاياه وغَّرد حادي ا اه
وقال أخاف عة ادي الليالي على نفسي وأن ألقى ر ا داه
مشينا اهخًطا ُكتبت علينا ونم ُكتبت علهيخا طمشا اه
ومن كانت منيه ت ب ا أرض فليس يموت في أرض سواه
َ ثم أقبل على نفسه باللوم، بعد ما تزحزح عن القتلى من القوم، وآلى أنه إن سِل َم
من هذا املصاب، وتخلص مما هو فيه من أليم العذاب، لا يخالف نصيحة أمه وأبيه،
بل يعيش بينهما عيشة الخامل دون النبيه، ويكف عن الأسفار، ولا يبرح عن فناء
ِّ الدار، وكان في أثناء تضرعاته إلى مولاه، واستغاثته به سبحانه في سره ونجواه، يقول في
مناجاته لربه، وهو متألم من جرحه معترف بذنبه:
يا رب يِّهئ لانمن ر أمنا رشدا واجل ع مو عنتك العظمى ا لنمددا
ولا تكلان إلى تدبير أنفسن دا ا فالنفس تعجز عن إصلاح ما فس
أنت العليم وقد وجهت من أملي إلى رجائك و ًجها س ً ائلا ويدا
فلا تردنَّ ا ه يا رب خائبة فبر ح ُج ِ ودك يروي لك من وردا
ولا زال يزحف حتى وصل إلى ساحل البحر، بعد صلاة الظهر قبيل العصر، ثم
َ وهت قواعد قوته، وتداعت بناء بنيته، فاضطجع اضطجاع امليْت،
املقالة العاشرة
ْ وفي أثناء الاضطجاع، عبرت بالقرب من الساحل سفينة شراع، فوقع بصر رئيسها
عليه، فانجذب قلبه إليه، ودنا بسفينته من البر في الحني، وأشار بالنزول إلى اثنني من
امللاحني، وقال لهما: إن وجدتما الروح، في هذا الشبح املطروح، فاحملاه على كاهليكما
بلا مهل، وبادرا به إلينا على العجل؛ لعله ينجو من الهلاك، ويتخلص من غائلة الارتباك،
ُ فامتثلا أمره وسارعا إليه، وقربا منه وعطفا عليه، وقبض أحدهما على نبضه، بعد ما
تأمل في طوله وعرضه، ثم وضع يده على صدره، وجعل أذنه على فيه ونحره، فتراءى له
َّ أن النفس يتردد فيه، فرفعه على كتفه واستعان بأخيه، وسعى به إلى السفينة، التي كانت
كقلعة حصينة، وكان فيها طبيب، ماهر لبيب، فعالجه حتى توجه إليه الشفاء، وزال عنه
السقم والعناء، وصار يروح ويغدو بني امللاحة، ويُثني على من ساق إليه صلاحه، وبعد
شهر كامل عادت إليه الصحة، التي هي بلا شك أجل منحة، بَيَْد َّ أن البحر اضطرب بعد
السكون، وأظلم الجو وزاغت العيون، وهبَّت من الجنوب رياح عاصفة، وملعت بروق
للأبصار خاطفة، وانحطت على السفينة أمواج كالجبال، من الأمام والخلف واليمني
والشمال، فدارت ثلاث دورات بلا انقطاع، وهوت كلمح البصر إلى القاع، وبمصادفة
القضاء والقدر، قبض أبو املسرات على لوح كان قد انكسر، وأنشد وهو يتقلب في أودية
الخطر، ويتملل من البرد واملطر:
يا رب ما زال لطف منك يشملني ودق تجدد لي امأنت تعُم ل ُه
فر اصهفعني كام َّوعدتني ركًما فمن سواك لهذا العد بري ُمحُه
وقد مكث خمس ليال يعاني من البحر، ما هو أمر من الصبر، وأشد حرارة من
1 وكان ذلك
الجمر، ثم قذفته الأمواج في اليوم السادس، إلى املينا املعروفة بابن قادس،
ً في أول ليلة من شهر الصيام، وقد وصل إلى البر والناس نيام، فوقع طريحا على الغبرا،
وكاد ينتقل من الدنيا إلى الأخرى، ولسان حاله يتمثل، بقول من أحسن في شعره وتجمل:
أنوح على ر ده مضى بن
املقالات الأدبية
وأبكي زمانًا ص ً الحا دق فقه دت فقَّطع قلبي مه ن بالزف ِ رات
أيا زمنا ولَّى على رمغ أهله ألا دع كا مدق كنت ذمسن ِ وات
َّ تمطى علي الدهر في متن قوسه ف َّد صعني مه ن بسم ه شتِات
وملا طلع النهار، ووقعت عليه أعني النظار، حملوه إلى دار أمري املدينة املعظم،
وناطوا بعلاجه الطبيب ابن أبي محجم، فتوجه إليه الشقاء بعد ثلاثة شهور، واعتدلت
َّ صحته وحل بساحته السرور، وأقسم باهلل العظيم، رب زمزم والحطيم، أنه ما دام على
قيد الحياة، لا يتبع شيطان هواه، ولا يُ َط ِاو ُع النفس، ولو ترتب على عدم مطاوعتها
الحلول بالرمس، وبعد أن تاب، وإلى الله أناب، خرج في قافلة إلى الحجاز، ومنها وصل
إلى مسقط رأسه بمدينة الأهواز، واجتمع فيها بأبيه وأمه، وانصرفت عنه غوائل همه،
وانهمك على تحصيل املعارف، حتى بلغ النهاية في التالد
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: