قال شبل بن ليث، املكنى بأبي غيث: تاقت نفسي إلى جوب الفدافد، واشتاقت إلى رؤية
ُ الهياكل واملعابد، فخرجت على حالة الانفراد، شاكي السلاح على متن الجواد، وتماديت
ُ على قطع الفيافي، والترنم ببديع القوافي، مَّدة شهور، وأيام وكسور، ولا زلت أنتقل من بلد
إلى بلد، ولا أعرج في الرواح والغدو على أحد، حتى انتهيت إلى مدينة، كبرية آهلة حصينة،
فأودعت الحصان، عند صاحب خان، ثم سعيت إلى املسجد الجامع، املعروف بضريح ابن
شافع، وأديت فيه بالقصر صلاة العصر، وبينما أنا أطوف فيه، وأمعن النظر في نواحيه،
بْس، حلقة درس، في وسطها شيخ كأنه من بني حام، وهو حسن القيافة
إذ رأيت بلا لَ
ْج ُم
َ معتدل القوام، وسمعته يلقي على الطلبة بأفصح لسان، تفسري قوله تعالى: ﴿والنَّ
ِ ان﴾ هنالك جلست في هذه الحلقة؛ لالتقاط بعض الفوائد، واجتناء ما
َو َّ الش َجُر يَ ْس ُجَد
يتأتى في العثور عليه من الفرائد، فمما حفظته عنه وفهمته منه، في تفسري هذه الآية
ً الشريفة، بعبارة سهلة لطيفة، أنه قال موضحا ما في الآية من الأقوال: أخرج ابن الأنباري
في الوقف والابتداء، عن حبر الأمة ونجم الاهتداء، ابن عباس العالم بدقائق القرآن، أنه
ِ ان﴾ قال: «النجم» معناه ما أنجمت
ْج ُم َو َّ الش َجُر يَ ْس ُجَد
َ ملا سأله نافع عن تفسري ﴿والنَّ
الأرض.
املقالات الأدبية
وأنبتت مما لا يقوم على ساق، من قولهم: نجم ينجم بالضم في الاشتقاق. «والشجر»
ً معناه ما أنبتته وقام على ساقه، وظهر للعيان، وأنشد مستدلا على ذلك بقول صفوان:
لقد أنجم القاع الكبير عضاهه وقربه حا ي تميم ووائُل
وأتبع هذا البيت ببيت زهري بن أبي سلمى، الذي تُنسب إليه الفصاحة وتنمى:
مكل ل بأصول النم ج تنسج ُ ه ريح الجنوب كضاح ما به حبُك
وهكذا يؤخذ من الدر املنثور للسيوطي في التفسري باملأثور، وورد في تفسري الإمام
َّ الفاضل، العلامة الدلجي ابن عادل، أن النجم هو نجم السماء املعلوم، وسجوده هو
الأفول املفهوم، والشجر هو شجر الأرض املعهود، وسجوده هو إمكان اجتناء ثماره التي
هي غاية املقصود.
والنَّجم في تفسري املصري الهمام، هو ما لا ساق له ولا قوام، والشجر املذكور في
َ املساق، هو ما له ساق، وسجود الاثنني، هو عنده سجود ظلالهما بلا مني.
وقيل: النجم هو الذي لا ساق له من النبات. والشجر هو الذي له ساق، ولبعضه ثمر
ً يقتات، وسجودهما هو الانقياد هلل رب العاملني فيما يريدهما طبعا، كانقياد الساجد من
ً املكلفني طوع ُ ا، أو أنهما يسجدان ملبِْد ُ ئهما ومبِْدعهما، سجود دلالة على إثبات صانعهما.
وحكى ابن كثري في تفسري هذه الآية، خلافًا تتحقق بمضمونه الدراية، فقال: قال
ْج ُم﴾، بعد
َ ابن جرير، العالم النحرير الشهري: اختلف املفسرون في قوله تعالى: ﴿والنَّ
َّ اتفاقهم على أن ُ املراد من الشجر ما قام على ساقه بلا وهم، فروي عن ابن عباس وسعيد
ُّ بن جبري، والسِّد َّ ي وسفيان الثوري لا غري؛ أن النجم عند هؤلاء الثقات: ما انبسط على
وجه الأرض من النبات، وقال مجاهد والحسن، وقتادة عالم الزمن: النجم هو الذي في
السماء الأنور، وهذا القول هو الأظهر، فالنجم في عالم السماء، والشجر في مقام النماء؛
َده بمقدار، قال الله — تعالى — في كتابه املكنون،
َ يسجدان هلل الواحد القهار، وكل شي ِءٍ عنْ
ْر ِض
ُه َم ِن في َّ السَم َ او ِ ات َوَم ِن في ْالأَ
َّن اللهَ يَ ْس ُجُد لَ
َ
َر أ
ْم تَ
لَ
َ
املنزه عن الشك والالتباس: ﴿أ
ِ اس﴾.
ُّ اب َو َكِثريٌ ِّم َن النَّ
ِجبَ ُ ال َو
املقالة الحادية عشرة
َّ وجاء في تفسري النسفي: أن النَّجم هو النبت ليس له ساق كالذي عليه الجسم
ارتفع، وهو كما قيل مأخوذ من نجم إذا طلع، والشجر هو ما له ساق يُشاهد بالأبصار،
وهو مشتق من مادة الاشتجار، الذي هو تداخل بعض الأشجار في بعض، ومناسبة
طولها للعرض، ويسجدان أي هلل يخضعان، ويشهدان على أنفسهما أنهما له سبحانه
مسخران، وأنهما يدلان على وحدانيته، ويعترفان بربوبيته، ولو أتينا على جميع ما ذكره
َّ املفسرون من الأقوال، وما دونوه في كتبهم مما طرأ على هذه الآية من اختلاف الأحوال،
لخرجنا عن املوضوع الذي عليه املعول وإليه الرجوع، فلما ختم الدرس، عند غروب
الشمس، أقبل عليَّ بطلاقة، بعدما شد نطاقه، وقال لي: لعلك أيها الأديب، في هذه الأوطان
غريب، فقلت له: إي وأبيك يا علامة، إني من جبال تهامة. فقال لي: أنت ضيفي ما دمت
في هذه البلاد، ولك عليَّ املنة يا سليل قوم أمجاد، فأجبته إلى ما طلب، وكان ذلك في أول
رجب، وتوجهت معه إلى دار وسيعة، ذات حديقة نضرية بديعة، فعطف بي على قاعة
ُمزخرفة بأنواع النقش، مفروش بأحسن فرش، ثم أجلسني على الفور في الصدر، وقال
لي: أنت في هذه الدار لك النهي والأمر.
مسكانهذا لمن حله نحن سواء فيه والطارق
فن م أتا انفهيفليحتم ك فه إن في حكه م صادق
لا يد جالفة اقمن زاران رفبانالمانع والرازق
وبعد ساعة من الجلوس، حضرت مائدة عليها أطعمة تميل إليها النفوس، وفي أثناء
الطعام، كان يُ َحيِّيني بما فوق املرام، ويقول: يا أثيل املجد، ويا أصيل الأب والجد، لقد
سرني منك ما أوليتني به من الإجابة، وحققت فيك ما هجس بخاطري من الإصابة،
وكيف لا تكون عليَّ لك املنة العظيمة، وقد سعيت معي بذاتك الكريمة، ولم تحتقرني
لسوادي، مع عدم وقوفك على حقيقة طارفي وتلادي؟!
ُ ي، ومن أنا عبده ولا أبتغي منه عتقي، أنت صاحب
فقلت له: يا مولاي ومالك رقِّ
ِاملنَّة والفَ ْضل، ولا ريب في أنك كريم الأصل، وإني على يقني أنَّك إن لم تكن من أبناء
الأمراء، والصدور الفخام والوزراء، فأنت املقصود بني ال
املقالات الأدبية
ُ قل عن الخليفة املأمون الخطري، مخاطبًا لإبراهيم بن
وايم الله إنك لجدير، بما نُ
َّ املهدي عقب ضبطه في حال الخروج عليه، وتأمينه حني شق َ العصا ودَعا بالخلافة إليه،
ِبل أعذاره منه، وشرع في مداعبته، بقوله له أنت الخليفة الأسود،
وكان قد عفا عنه وقَ
وأمري املؤمنني الهمام الأمجد، لكنه ملا تفطن أنه خامر قلبه من هذه املداعبة الفزع،
واستولى عليه الرعب والجزع، قال في الحال تسكينًا، ملا نزل به وتأمينًا:
ِ ولا بالفتى الأديب الأريب
ْـ ليس يزري السواد بالرجل الشه ـم
إن يكن للسواد فيك نصيب فبياض الأخلاق منك نصيبي
هنالك قام الشيخ واقفً ا، وقال بعد ثنائي عليه واصفا: أنت والله يا بديع الشمائل،
َماء الإسلام، وبحر املعارف
على الحقيقة معدن الفضائل، وأنت علم الأعلام، وسيِّ ُ د علَ
املتلاطمة بالذكاء أمواجه، وبر العوارف التي بهرت بالسخاء أفراده وأزواجه، وطود
َّ العلوم الراسخ، وفضاؤها الذي لا تُحصى له فراسخ، وجواد الفهوم الذي لا يتأتى لحاقه،
ِ ضرب إليها أكباد الإبل، والقبلة
َ وبدر س ِمائها الذي لا يُدركه محاقه، وأنت الرحلة التي تُ
ْشر ُ ، وم َجِّدد الدين على
ُ التي يصلي إليها كل م ِ ؤمن وعندها إلى الله يبتهل، وأنت علامة الب
رأس القرن الثاني عشر، ولعلك أنت الذي انتهت إليك في الدنيا رياسة املذهب وامللة،
ْ وبك قامت قواطع البراهني والأدلة، وجمعت بني الفنون فانعقد عليك الإجماع، وتفرد َت
َّلا ولك فيه القدح املعلى، واملورد
ٍّ بصنوف الفضل فسحرت النواظر والأسماع، فما من فن إِ
ُ العذب امل َحَّلى ً ، إن قلت لم تدع قولا لقائل، أو طلت لم يأت غريك بطائل، وما مثلك مع من
تقدمك من الأفاضل والأعيان، إلا كالأمة املحمدية املتأخرة عن امللل والأديان؛ فإنها وإن
ً جاءت آخر ً ا، إلا أنها فاقت مفاخرا، فقلت له: يا من ليس لك في عصرك شريك، وصفتني
بجميع ما هو فيك، لا سيما وأنك ما حققت لي معرفة، ولا وقفت لي على كنه صفة، ولا
َسَبرتني في معارف، ولا اختبرتني في تليد من العلوم ولا طارف، فقال لي وهو باسم
الثغر، ضاحك منشرح الصدر: إني بمجرد نطقك أخذتك بالفراسة، وثبت عندي أنك أهل
للرياسة، وإني على ثقة من تقدمك على بني العصر، في النظم الفائق ورائق النثر.
فقلت: إن أردت أن تسمع مني ما حفظته من نظم السيد عبد الله الوزير، الذي لم
يكن له في زمانه من أخدانه نظري، فهاك
املقالة الحادية عشرة
حتَام تعذل في الهوى وتل ُ وم وإلاَم تطلب سلوتي وت ُ روم
أنظن أسلو من حديث غرامه يُتلى على العشاق وهو قديُم
وا أنالذي في الحب يعقوب بما لاقيت قاسي الُح ْزن وهو كظُم ي
وبمهجتي من قَده غصن غدا قلبي يصفق حوله ويح ُ وم
قد دب عقرب صه دغ حتى التوى من فوق ذاك الخد وهو سليُم
ولهان يلعب بالعقول وإن مشى لعبت بغصن الد ق مه ن نسيُم
ويلاه من قد به عدل وفي َش ْرع الهوى هو جائر وظل ُ وم
ام جنة الفردوس إلا وجهه للعين فيه نضرة ونعيُم
ملك لساحر طرفه خدم ولا عجب فذاك الساحر المخدو ُم
أسفى على باهي المحايِهمت في أوصافه واعتادني التوهيُم
ولا ن علَّي الذات أعظم حجة خط العذار لأنه مرسوم
َما انتم ظ اللا ق عرض العذول يميله ويلوم
املي وبختي ُكلَّ
أفنيت َدهري أرصد الأفلاك في الـل ـقيا وهل تدري هواي نجوم
والبخت إن يصدق ظفرت بوصل من أهوى ويكذب عنده التنجيم
ولربا م فلك القضاء يدور بالـ إسعاد لي بالوصل ثم يدوم
ويدور لي من كف من أحببه ت كاس بمسك ر ًضا به مختوم

املقالات الأدبية
حبذا في حلاك لام عذار وهي للحب آلة التوكيد
كل يوم تروع قبً لا خلً يعا ايبع دي الحلى بحسن جد دي
فقال لي: أنت في زمانك أروى من حماد، ودونك في البلاغة عبد الرحيم الفاضل وابن
ُ العماد، وأنت املشار إليه بالبنان، بني أبناء هذا الزمان.
فقلت له بأبي وأمي أفديك يا همام إذ أنت في عصرك نعم الإمام
وأنت أحق وأولى بما يقوله فيك، أوحد النبلاء من واصفيك:
يا سراج التقى وبدر المعالي ُد ْم منً يرا وهاديًا للعباد
فقال لي: أيها الأديب النبيه، والأريب الكامل الوجيه، أنت أولى باملدح والثنا، والكرامة
والغنى.
فقلت له: يا سيدي، إني مقصر عن القيام بما يجب من الشكر الجزيل، بني البرية
ملقامك السامي الجليل، وإني لأرجو أن تأذن لي بالرحيل، إلى حج بيت الله وزيارة الخليل،
َّ والسعي إلى ضريح أفضل الأنام، والفوز من لثم أعتابه الرفيعة باملرام.
فقال لي: لولا أنَّها فريضة ملا كنت أجيبك إلى ما تروم، ولا تركت الفراق يرمي من
ُ شهبه برجوم، لكن انتظر هلال شعبان، حتى تخرج مع قافلة العربان، املتأهبة للسفر
إلى أم القرى، والوقوف بعرفة والتبرك بأبي قبيس وحرى.
فلما انسلخ رجب، وخرجت قافلة العرب، جهزني معها بكل ما أحتاج إليه، وضمني
للوداع إلى صدره والدموع تتحدر من عينيه، وقال لي: ناشدتك الله يا ابن الكرام، إلا ما
جعلت الزيارة متواصلة في كل عام. فقلت له: يا عالي الذرى، ويا أعلم الورى، أنا ما أدع
فرصة، لدفع هذه الغصة، ثم أخذ في السري، في الحال مع العري، وهو يقول مسليٍّا لنفسه
على ما أصابه من ألم النوى في يومه، بعد ذهاب أمسه:

املقالة الحادية عشرة
وملا قطعنا املراحل العديدة بالتسيار، واشتد بي من معاناة الفراق الإضرار، وانحدر
علينا عند ما دهمنا الليل، مطر من السماء كأنَّه السيل، ومكث خمس ساعات، يبعث
ُ لت ً متمثلا بهذه الأوزان، التي
إلينا منه بآفات، ثم انجلت الغياهب، وظهرت الكواكب، قُ
رويتها في زمن الشبيبة عن بعض الإخوان:
امبال أنم ج هذا الليل حائرة أضلت القصد أم ليست على فلك
عادت سواريه وفقًا لا حراك با ه كأنا هجثت صرعي بمعترك
امتنقضي سة اعمهنفتطمعني به ولا هو في و هج بمنسلك
ُّ هل من بشير بنور الصبح ينقذني بُشراه نم طول ودجغر يتمَّركي
فد ق َّد أج التواء اللل ي لي شن جًا وأضجعتني تباريحي على الحك س
وعند مطلع الفجر، خرج على القافلة في عاشر الشهر، حزب من قطاع الطريق؛
كأنه نار الحريق، وكنت قد تعلقت من عهد نشأتي بملاقاة الأبطال، وركوب الأخطار
ومكابدة الأهوال، فامتشقت في يدي الحسام، وتأهبت في الحال للصدام، وقلت جريًا على
ِ عادة فرسان الحجاز، ملا انفصلت عن الصف للبراز:
أنا الأسد الضرغام في حومة الوغى إذا ثار نقع في مهول الملامح
وإني مبد ي للأعادي جميعهم بأسمر عسال وأبيض صارم
تر ف كماة الجيش مني متى رأت خي َ الي في يوم اللقا والتصادم
ُ وملا فرغت من شعري دنوت من القوم، وأقبلت عليهم بالتقريع واللوم، وقلت لهم:
يا أبناء اللئام، أتقطعون الطريق على حجاج بيت الله الحرام! فلما سمعوا مني هذا امللام،
الذي هو أمضى من السهام، اندفع عليَّ منهم فارس لا يقاومه رئبال، وقال لي: ويلك يا
أخس الأنذال، كيف تجاريت على تقريعنا بهذا املقال، مع علمك بأن قطاع الطريق لا
ً يميزون بني الحرام والحلال. فلا وأبيك ما أجبته إلا بنبلة في نحره، ساقته عاجلا إلى
قبره، وعطف
املقالات الأدبية
ٌّكل ُ منا إلى منزله واجتمع بالأهل والعيال، واستمرت بيني وبني الشيخ املراسلة، التي
تقوم — كما يُقال — مقام املواصلة، مدة من السنني والشهور والأيام، لا تنقص عن
ُ سبعة أشهر وعشرة أعوام، وكانت آخر مراسلة وصلت منه إليَّ في رمضان، أنه خارج
َّ سوان، فلما وقفت على
للحج والزيارة في شوال مع خمسة عشر من الطلبة وثلاث من النِّ
ُ هذه املكاتبة، واطلعت على هذه املخاطبة، اتحدت مع عشرين من رجال الحرب، وكانوا
من الأبطال املعروفني بالطعن والضرب، وخرجنا في العشرة الأخرية من شهر الصيام؛
لعلنا نحظى بمقابلته في البيداء ونحييه بالسلام، فلما توسطنا املفازة، بعد ما أخذنا من
ً الشريف الإجازة، وقطعنا من املراحل بالتوان، خمس َّ ا كوامل في أمان، انقض علينا من
جانبي الجبل، مائة فارس من ورائهم مائة ناقة وجمل، وحملوا علينا كالأسود، وصاحوا
دا من القتال، وصدمناهم صدمة الوبال، وكان معنا
ِجد بٍُّ
ْم نَ
علينا بأصوات كالرعود، فلَ
َّ فارس جسيم كامل العدة تحته جواد من العيوب سليم، فكر عليهم معنا كرة الهاصر،
ِّ وسطا عليهم بحسامه الباتر، وأظهر لهم ما عنده من الشدة، وقتل منهم أربعة عشر
َ وحده.
ودارت عليهم في آخر النهار، دوائر الفناء والبوار، وملا انجلت الغمة، بما بذله فارسنا
من الهمة، وانهزم الأعداء في منتصف شوال، وتخلوا عن الجمال والأثقال، أبصرت بني
الأسارى شيخنا الإمام، وهو مشرف من الوثاق على الحمام، فوقعت على قدميه، وقبلت
ُ رأسه ويديه، وقلت له: نفسي لك الفدا، من حوادث الردى، ما الذي أوقعك في قبضة هؤلاء
َّلم َ ا سمع ص َّ وتي خف عنه ما كان يجد
الأوغاد، وصفدك من غري رأفة بهذه الأصفاد، فَ
ً من الألم، واستوى قاعدا وزال عنه السقم، وقال أخبرني أنت يا أخي بالتفصيل، كيف
َّ كان خلاصنا من هذا التنكيل؟ فقلت له: يا أيها الصديق، ومن هو لي نعم الر َّ فيق، إن
خلاصكم كان على يد هؤلاء الأبطال، الذين أغرقوا أعاديكم في بحار الأهوال، وكان السبب
نَّني دعوت هؤلاء الشجعان، إلى السعي معي خدمة لجنابك،
َ
في لقائكم بهذا املكان، أ
ٍّ وتبركا بلثم ركابك، فقال لي: جزيت عني خريًا، ولا لقيت ما بقيت ضريًا، لقد فرجت
َّ عني الكربة، وأطلقتني من قيود النكبة، فإني ملا كتبت إليك، أني قادم عليك، تأهبت
ُ لأداء الفريضة على عجل، وحملت عيالي على أربع نياق وجمل، وقلت في نفسي: لعلي أظفر
بمقابلتك في الكعبة، وأتناول معك من ماء زمزم شربة، وملا خرجنا من البلد، لم يكن
معنا من أهله أحد، بيد أنه تبعنا على الأثر، من الطلبة الخمسة عشر، وفي خلال سرينا
على مهل، انحط علينا هؤلاء الفجار من الجبل، فقتلوا من فرغ منه الأجل، واستحسنوا
80
املقالة الحادية عشرة
ُ قبيح العمل، وكانوا م ِ ِّصر َ ين على قتلي مع الجماعة؛ لخوفهم في البيداء من الظمأ وامل َجاعة،
فأوقعهم اللهُ ً فيما أضمروه، وحملتم إليهم من املوت كأسا فتجرعوه، ثم نزلنا للراحة
بذلك املكان القفر، من ضحوة النهار إلى وقت العصر، ثم رحلنا بعد ما أدينا الصلاة،
ٌّ ونال كل من الزاد مناه، وبعد عشر ليال كاملة، وصلنا بالأمان في هيئة قافلة، إلى الحرم
املكي املعظم، وكان ذلك في آخر ذي القعدة املكرم، فتوجهت مع الشيخ والأقارب، إلى
ُ داري املجاورة لدار الشريف غالب، وأقمنا بها بني الأهل والولد، في عيش رغد، وقد نسي
كل منا ما كان يترنم به في السفر، وهو من بديع درر عفيف الدين التلمساني الأغر:
أحن إلى المنازل ور البوع وأنم ت بين أحشاء الضلوع
وأضر مكم ت و أشاقي ووجدي فتظر هاهلجلاسي و دمعي
ومن كلفي أعلل بالتمن ِ ي وأطمع في الخيال بلا هجوع
وأعترض النسم ي ً أسى ووشقًا وأسأل وامض البرق اللموع
ا أيعرب الحجاز كذا أضعم ت زن ًيلا في رحابم ك ر الفيع
َّفلما انقضت تلك الأيام القصار، ودخلت أوقات الحج والاعتمار، انتظمنا في سلك
قصاد عرفة، في أحسن هيئة وأكمل صفة، ثم تحولنا من مكة إلى املدينة؛ لزيارة صاحب
َّ الوقار والسكينة، ووقف الش ً يخ على املقصورة النبوية، وقال متمثلا بقول أبي شباك أجل
السادة الرفاعية املرضية:
في حة الالبعد روحي كنت أرسلاه تقبل الأرض عني فهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح دق حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وبعد الفوز بلثم الأعتاب، وأداء الواجبات في الروضة واملحراب، عدنا إلى أم القرى
في سرور، ولذة سرمدية وحبور، والناس يقولون لنا في التحية، بألفاظ عذبة بهية: سعي
مشكور، وحج مبرور، وزيارة بالقبول محفوفة، ومواقف في طاعة الله معروفة.
وعزم الشيخ على انتجاع بلاده؛ لاشتياقه إلى تلامذته وأولاده، فالتمست منه الإقامة
معي إلى
املقالات الأدبية
لد قطبترفًعا حيث طبت أروةم نم ع طيب حيث الأصول أطايب
فلورد ماء الورد فرع يزينه ولليث شبل الليث مثل يقارب
عشقت ُع اللا طًفلا ومل ُك ي عق اشًا سواك وشهبالشيء للشيء جاذب
فأنت لا ه ابن وأنت له ٌ ا أب وأنت لا ه صنو وأنت أقارب
كذاك عشقت العلم والجود والتقى وللناس فيا ميعشقون مذاهب
َّ ومذ استعد َّ للذهاب، حث ُ إلى وطنه الركاب، فقطعت معه أربع مراحل، للوداع
ً والدمع من مقلتي هاطل، وأرسلت في صحبته من رجالي للحرس، أحد عشر بطلا كل
َّ واحد منهم على فرس، وقلت له: يا صاحب الد َّ رجة الرفيعة، إني عاجز عن القيام بشكر
ما بدأتني به من الصنيعة، فقال لي بعد بسط يديه بالدعاء إلى رب السماء والأرض، أن
يمد في عمرك إلى يوم العرض: تاهلل ما أنت في كل شيء إلا فريد الزمان، ووحيد العصر
والأوان، ولا غرابة فيما أقول؛ حيث ا
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: