ُ نقلت من خزانة الأسرار، بإحدى مدن الآثار، عن حبر أحبار، وجهينة أخبار؛ عبارة
ة
ِ شري بإحدى يديها إلى املقَ
بالحروف مرقومة، تحت صورة في الكتاب مرسومة، تُ
عد في ذاتها
ُّ
والوفاق، وبالأخرى إلى املقت والشقاق، وهي مع ما فيها من اللطافة، تُ
خرافة، ونصها: أنَّه كان يُوجد بمدينة تلمسان، كهل من عفاة بني ساسان، أنهكت
جسمه الفاقة، ولم يقابله دهره بالطلاقة، وكان له وليد نجيب، أو حفيد ذكي لبيب،
انحاز إلى مؤدب صبيان، ومعلم أطفال وفتيان، فتعلم القراءة منه والكتابة، وأبدى في
حفظ دروسه النجابة، وأخذ عن غريه النحو والصرف، وجال في ميدان الأدب بأسبق
طرف، وبلغ من املنطق والبيان والبديع، ما يرتفع به قدر الوضيع، واستحوذ من
العروض والإنشاء واللغة وسائر الفنون، والحديث والفقه والتوحيد وآداب البحث على ما
تقر به العيون، وبرع في معرفة الهيئة والجبر والهندسة والحساب.
ٍ جاريه مجار، ولا
وحل بفكره الوقاد في كل فن مسائله الصعاب، حتى أصبح لا يُ
ٍ باريه في مجاله مبار، وهاجر في طلب العلم إلى أكثر البلاد، وكانت آخر مدينة انتهى
يُ
إليها بغداد، فاجتمع فيها بأقيال البراعة، وأبطال البلاغة والرياعة، وركب معهم سفينة
بََّني لهم
َّما تَ
َّ املناقشة ورفع في بحرها شراعه، ومد بينهم في كل فرع من العلوم باعه، فلَ
أنه فارس امليدان، وأنَّه أوحد زمانه في املعارف بني الأخدان، مالوا إليه وكثرت في املدينة
َّخلانه، وأثنت على أخلاقه بكل لسان جريانه.
املقالات الأدبية
وشاع بني البرية ذكر معلوماته الخارجة عن حد القياس، حتى طرق مسامع وزير
َّ أحد خلفاء بني العباس؛ حيث قيل له وهو في محفل من نبلاء الجلا َّ س: إن هذا الأُستاذ
أفصح من قس، وأذكى من إياس.
ٍ فقال الوزير لحاجبه ابن جرير: اقصد في غد دار هذا الفاضل، الذي دونه املباحث
كل مناضل، والتمس من جنابه، أنه يزورنا بركابه؛ لعلي أتخذه كاتبًا ومشريًا، وحاسبًا
بَّل الحاجب الأرض وأجاب بلبيك، وقال: إنه سيكون عندك وبني
بالديوان وسمريًا، فقَ
َّما كان في صبيحة يوم الجمعة، هيَّأ بغلة عظيمة السرعة، وسعى إليه وسأله عن
لَ
يديك، فَ
ٍ داره، من وجيه كان ساكنًا في جواره، ومذ لقيه وجاء به إلى مولاه، قربه وأكرم مثواه،
ُ وأنزله برواق من مأواه، ورفع درجته على من سواه، وملا كان هذا املتفنن حلو الفكاهة،
حسن املسامرة حجازي النباهة، خلب العقول بفصاحته، وسلب الألباب بسحر بلاغته،
وتشبث من عهد نشأته، بما ينشر بني امللأ أعلام شهرته، ويذهب عنه العسر والباس،
ْس َّ د الشرَى، ويرغب
ُ
ويجلب له اليسر بني الناس، ويجذب إليه قلوب الورى، ويطيع له أ
فيه العباد، ويحبب فيه ذوي الرشاد.
وقد احتفل بذلك في السر والعلن، حتى نال بغيته وفاز بالذكر الحسن، ولم يدع
ٍ ا إلا سارع إليه، وانقض بلا توان ُ انقضاض العقاب عليه، فكنت
من أفعال الخري شيئً
تارة تراه باملساجد، كناسك راكع ساجد، وتارة يبدو في املجالس، بوجه بشوش عابس،
ً وطور ً ا يبرز بني الأقران، في حلة الرأفة والإحسان، وطاملا أحرز قصب السبق، في مضمار
نضرة الحق، وتمادى على هذا العمل، بلا فتور ولا كسل، إلى أن تقرب بمثل هذا السلوك،
من هذا الوزير الذي تفتخر به امللوك، فقلده في ديوان الخليفة، بوظيفة كاتب الإنشاء
املنيفة، ثم تنقل من إيوان إلى إيوان، حتى استوى على مرتبة رئيس كتاب الديوان، وصار
يركب في املواكب، بعد انتظامه في سلك ذوي املراتب، ويتقلب في أودية النعم، ويتصرف
التصرف التام فيما يتعلق بأرباب السيف والقلم، ولا زال في كل يوم يعلو مناره، وينمو
على الدوام فخاره، ويزداد بني الأمراء اعتباره، ويغرس في أفئدة الوزراء وقاره، إلى أن
نَ َ ال من زمانه الأمل، ووصل بالإرادة الأزلية إلى ما وصل، ولاحظته عيون السعادة، ففاز
بالحسنى وزيادة.
ٍ اج حاجة لا ينالها و ر آخدقتقضى له ووه جالس
ُ ألا ر َّب ر
يجول لا ههذا وتق
املقالة الخامسة
َّ وبعد أن تقلد بهذه الوظيفة الرفيعة، وتأهل من بنات أعيان املدينة بحرة في حسنها
بديعة، أقبلت عليه الدنيا بخرياتها الجزيلة، وامتلأت عليه داره من الخدم والجواري
الروميات الجميلة، واشتغل بمباشرة املناصب، عن الاحتفال بمسامرة الصديق والصاحب،
فثارت عليه طوائف الحساد من كل جانب، واتهموه بالانحراف عن أقوم املذاهب، وقال
فيه شاعرهم:
إذا رعف ز المان وضع ي أصل وألبسه ثياب الاعتبار
فسالم من أردت سواه وانظر له أبًدا بعين الاحتقار
وزعموا أن بشاشته تبدلت بالتقطيب والعبوس، وأن فظاظته وعدم استقامته قد
ِّمه،
اشمأزت منهما النفوس، وأنه اعتزل الأشراف، وحاد عن طريق الإنصاف، وبالغوا في ذَ
ِّ وبالغوا في هجاء أم َّ ه، وقال بعضهم في مجلس الوزير: إن سوء فعله من الأدلة القائمة
ِ على دناءته وخ َّس ُ ة أصله، وأنه م ُ بري كذاب، ومثري للفتن مرتاب، وأنه ملا نال بغيته بغى،
َّ وضل بعد الهداية وطغى، وتاه على أبناء جنسه، ولم يذكر في يومه ما لقيه في أمسه.
وقال آخرون: إنه بقية من قوم عاد، وإن حياته مضرة بالأنام على القرب والبعاد،
وإنه ظهري لذوي املعايب، ونصري للعاكفني على املثالب، وليس الباعث لهم على إذاعة هذه
الأقاويل الكاذبة، وإشاعة هذه الأباطيل التي سهامها به صائبة، سوى الغرية والحسد
الذي رماهم بنبال الكمد.
ً وإذا خشيت من الأمور مقدرا وفررت مه ن فنحوه تو تهج
وبالجملة فإنهم أقاموا على هذه الوترية مدة من الزمن غري قصرية، ونسبوا إلى
بعض أصهاره، أنه هجاه بقوله من بديع أشعاره:
َ ما لي أراك عدلت مما لضرورة عن سنة الأشراف والأم
املقالات الأدبية
َّلا
إِ
ْو َك َ ان ِف ِيهَم ِ ا آلَهةٌ
ُ كر في محفل قال أدناه وأعلاه، مشريً ِ ا إلى كْبرِه: ﴿لَ
وكان كلما ذُ
الله﴾.
وحيث إن كل ذي نعمة عليها محسود، اجتهدوا في تقبيح سريه املحمود، حتى
َ أوغروا عليه صدر ولي أمره، بعد أن أقاموا له البرَاهني على اعتزاله وكفره، فتنكر له
َّ ه، فلما انزوى عقب الطرد بقصره، لم يتركوه بلا أذى
َصلَ
وعزله، وعن وظيفته السامية فَ
في حصره، بل اعتدوا عليه وبعثوا إليه.
أمسيت يا طير مقصوص الجناح وقد ألقاك صيادك المحتال في القفص
لا فرج اله ل عنك الكرب فيه ولا أخلاك فه ي مدى دنياك عن غصص
ِّص امأنزل الجبار في القصص
وأنت لا شك بد ع الموت في سر ق نبَ
وكان قد اكتسب من الرزق الحلال بالهمة، ما لا يُ َ حصى من الأموال الوافرة الجَّمة،
ُ وادخرها في داره املضاهية في زينتها ملدينة إرم، التي كانت آهلة بالسراري الحسان
والحشم، ولولا شغفه بحب الرياسة، وتولعه بأحوال السياسة، لعاش عيشة راضية في
يسار وثروة، ولذة وافية وزيادة حظوة، وكيف لا وقد كان في هذه الدار املزخرفة الرصينة
الأسوار، ما تشتهي الأنفس وتعجز عن وصفه الألسن، مما يشرح الصدور ويسر الأعني،
ُ من ع ُرب أتراب، تسحر بجمالها الألباب، وحور عني حسان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا
جان، وهو معهن آناء الليل وأطراف النهار، في جنات تجري من تحتها الأنهار.
وملا توارى عن ذوي الأحقاد، وانقطعت عنه ألسنة الحساد، كان لا يسمع ما يكدر
ِار النميمة
ِ منه الخاطر، أو يحرك ما انطوت عليه الضمائر من غيظ وحنق، على من بنَ
احترق، فلو أنه دام على هذه الحال؛ لتنعم منه البال، لكنه ملا طال عليه املدى، وتذكر
شماتة العدى، عاف الشراب والطعام، وانعجم لسانه عن الكلام، وضاق منه الخناق،
َّ وكادت روحه تبلغ التراق، وهجر الكواعب، وبسر في وجوه ذوي امللاعب، ومج سمعه
َوَّه َّ م أن بستانه النضري الواسع،
الأنغام والأغاني، وأعرض عن مشاهدة الغواني، وتَ
َور ْو َض ُ ه املزهر البائع؛ قد أمسى لتقارب الأطراف، أضيق من سم الخياط بلا اختلاف،
وأظلمت الدنيا في عينيه، وصار لا يبصر ما بني يديه، وساءت منه الأخلاق، واعترض في
ِكر البعث
ُ سره وعلانيته على الخلاق، مع أن
املقالة الخامسة
أتترك لذة الصهباء عًد ما بما وعدوك من لبن وخمر
حياة مث موت مث نر ش حديث رخة افيا أم عر مو
وكان لاحتجابه عن انتشاق نسيم الأخبار، يُصبح ويُمسي في اختناق على مقالي النار،
ولقد عيل منه الاصطبار، بعد طول الانتظار، وأضحى لا يقر له قرار، بأي مكان من
ُ الدار، حتى إنه في خلال الدوران، دخل قاعة مزخرفة البنيان، ووقف تجاه شباك، مشرف
على شارع ابن الحباك، فوقع بصره على شيخ كبري، كأنه لضخامته بعري، وهو يتوكأ
على عصاه، وقد كشف رأسه وقفاه، وشرع في طلب الصدقة، من ذوي املروءة والشفقة،
بقوله: يا أهل املراحم واملروة، واملكارم الشاملة والفتوة، تصدقوا على بعل الشيخة أم
طبق، بما يستر العورة ويسد الرمق.
َّما رآه وهو على ما به من الاضطرار، إلى سؤال الجائز واملار، حسده على غدوه
فلَ
ْ ورواحه، وتمنى أن يَ ْح َظ ُ ى مثله بإطلاق سراحه، وقال لغ ِلامه وائل: عليَّ بهذا السائل؛
فانطلق على الفور يهرع خلفه، فأدركه قبل الانسياب في أول عطفه، وقال له: أيها السائل
ْ املضطر، أجب الرئيس أوحد الدهر، فحصل للشيخ من شدة الارتياع، ضر ٌب من الخدر
َوهمه أنَّه من الأعوان، املوكلني بضبط كل سائل
والصداع، وأوجس منه في نفسه خيفة؛ لتَ
من الرجال والنسوان. وقال: سألتك باهلل يا ابن الحلال، ألا ما تركتني أسعى في طلب
َّ زرق العيال، فتلطف به حتى لان وأجاب، وسار معه وهو على غاية من الارتياب، وأدخله
القصر بعد صلاة العصر، فاعتراه من هيبة املكان، ما زلزل منه الأركان، وكاد عقله من
ِ رأسه يطري، عند رؤيته لأعوان هذا الرئيس الخطري، ومن شَّد َ ة ما ناله من الذهول، ه َّم
بالرجوع من قبل الوصول، فمنعه الخادم أبو خف، عما أراد بلني ولطف، ولا زال يسكن
َ عنه بعض ر ْوعه، وينهاه عن رجوعه، ويعده من مولاه بزوال البوس، وامتلاء كيسه بعد
ُ الإفلاس بالفلوس، حتى وقف به أمام سيده بالبستان، وقال له: ادن من مولانا وقبِّل
راحتيه بأمان.
َّما عاينه الشيخ جثا عن ركبتيه، وبادر إلى تقبيل مواطئ قدميه، فأقامه وعلى
لَ
فَ
َّ متكأ بجواره أجلسه، وبش في وجهه وبعذوبة ألفاظه آنسه، وسأله عن أحواله، وعن
َمر غلامه ابن بسام، بالتوجه به إلى الحمام، وبعد تنظيف بدنه،
َ
مقر زوجته وعياله، ثم أ
وإزالة ما عليه من درنه، خلع عليه حلة تليق بحاله، وغمره من الإحسان بما كفه عن
سؤاله، وحمله بعد
املقالات الأدبية
له: أيها الشيخ، الذي ألبسه الشيب من الوقار أبهى ثياب، أنت صرت الآن عندنا من
َود حالك،
َ
أجل الأصدقاء والأحباب، وقد ربطنا لك ولعيالك، من املرتَّبات ما يستقيم به أ
ورفعنا ما بيننا وبينك من الحجاب، فادخل علينا بدون استئذان من أي باب، وأتحفنا
بما تلتقط من الأخبار، ولا تَ ْخف ً بعد إقبالنا عليك غائلة الإدبار، فقال الشيخ متمثلا، بما
راق وحلا:
ايأيا هالر ب الر كيم ومن ه ل ِمنن َحلن من ز المان وثاقي
من شاكر عني نداك فإنه من عظم ما أوليت ضاق خناقي
منن تخف على يديك وإنا م ثقلت مو ئنتا هعلى الأعنِاق
وحضرت املائدة بالأطعمة، فدعاه إليها وعلى سواه قدمه، فامتنع الشيخ وتأخر،
وأحجم عند الإقدام وتقهقر، وقال: معاذ الله أن يأكل السائل املسكني، مع حضرة الرئيس
الأجل املكني؛ لأنه لا يسوغ للصعلوك، الذي لا يُساوي قلامة ظفر مملوك، أن يتجارى على
ُ الأكل مع املالك، ولو ساقه الجوع إلى املهالك، وكيف يجلس معه على خوان، يتعذر الدنو
َّ منه على الوجوه والأعيان؟! فقال له الر ُ ئيس النَّبيل: هذه عادتنا مع الحقري والجليل، ولا
َّ زال يدعوه إلى الزاد وهو يمتنع، ولونه من شدة الخجل ينتقع، إلى أن تقدم لكن على رغم
أنفه؛ لأنهم كانوا يقودونه من أمامه ويسوقونه من خلفه، وملا قعد للأكل ولم يتفق له
َّ ذلك من قبل، مد ِ يده وهي في غاية الارتعاش، وتناول أول لقمة فسقطت على الفَراش،
َّ وهكذا كان يأكل بخوف ووجل، وكأن حلقه مسدود بصخرة من جبل، مع أنه كان يتأتى
َّ له في غري هذا الخوان، ابتلاع عشرة أرغفة بفخذ من الضان، ولا شك أنه ما تحصل من
ً هذه املائدة الكثرية على شبع، بل قام جائعا يتمنى الأكل مرة أخرى مع التبع، إلا أنَّه قد
حيل بينه وبني املرام؛ لخوفه من التوبيخ وامللام، وملا فرغ من غسل يديه، وانتصب أمام
ُّ الرئيس على رجليه، أشار إليه بالقعود، وأجاب بالر َّ كوع والسجود، فألح عليه حتى جلس
فوق بساط منقوش، في قاعة بجوار قاعة املائدة مفروش، وبعد أن شرب القهوة، ازداد
ً فرحا ونشوة، وبات إلى الصباح وهو في س
املقالة الخامسة
فيا رب زدني قبوًلا ب ً ه أعيش سعيدا حليف الغنى
وكان برفقته أحد غلمان الدار، فأخذه معه في السري إلى جهة اليسار، حتى أوصلَه في
عطفة مائلة، إلى املنزل الذي نُقلت إليه العائلة، ثم تركه وانصرف من حيث أتى، ودخل
هو على زوجته فسمعها تقول لأحد أولادها: يا فتى، أين أبوك الأقرع بن شعلان؟ فإنه لو
َرح، تاهلل
ُ رأى ما نحن ُّ فيه من الخري والإحسان، لزال عنه الهم ِ والترح، ولبكى من شَّدة الفَ
ُّ يا قرة العني، وحياة أختك أم بطنني، إني أطن أننا الآن في منام، والذي نحن فيه أضغاث
أحلام. فقال لها وقد لاحت منه التفاتة إلى جهة الباب: هذا أبي قد أقبل يرفل في أبهج
أثواب، فعند ذلك هرولت الشيخة بملابسها الجديدة إليه، وقبلت يده وسلمت بالاشتياق
عليه، وقالت له: يا أبا الأطفال، من أين لنا هذا الإقبال؟ فقال لها: يا بنت عبد الله، هو
َّ من عند الله، ثم قص عليها ما جرى من أوله إلى آخره، وأوقفها على باطنه وظاهره،
وقال لها: وأنت أخبريني كيف كان الانتقال، من دويرتنا الحقرية إلى هذا املنزل العال؟!
َّ فقالت: جاءني جماعة من الغلمان، بأقمشة صالحة للبنات والصبيان، وقالوا: إن َ الشيخ
َ بعث بها إليكم فالبسوا منها ما شئتم، فإنَّه فصلها عليكم، وسريوا بنا إلى الدار التي
اشتراها برسمكم، وأعدها بجوار قصور الأعيان والأمراء لكم، فلما توسطناها وطفنا بما
فيها من املناظر واملخادع، والأروقة الواسعة املطلة على الدور والجوامع، وكان طوافنا
فيها بالذكور والإناث، وجدناها بديعة الهندسة كاملة الأثاث، وألفينا بها من الحنطة
والسمن والعسل، والفول والزيت والزيتون والثوم والبصل، ما يكفي بلا تردد في القول،
مدة لا تنقص عن نصف حول، وها هي أمامك وبني يديك، فطف بها إن لم يكن في
الطواف مشقة عليك. فقال لها وقد تبسم، وهو بمدح املنعم عليه يترنم: قولي معي في
الابتهال، بعد الصلاة على النبي والآل: اللهم بارك لنا فيما أعطيت، ومتعنا بزيارة ساكن
َّ طيبة وحج البيت، وانظر بعني الرضا والقبول، والرعاية الكاملة والشمول، إلى من عمنا
من بَ ْحر كرمه، بوافر هباته ونعمه.
وكان الليل بظلامه أقبل، والنهار بضيائه تحول، فأكلوا حتى اكتفوا مما تهيأ لهم
من الطعام الفاخر، وحمدوه سبحانه على ما اغترفوا من بحر جوده الزاخر، وباتوا في
مسرات وأفراح، إلى أن أشرقت غرة الصبح الوضاح، ثم نهض من نومه كأنما نشط من
عقال، وصلى صبحه وأفرغ عليه ملابسه في الحال، وأكل مع أولاده ما تيسر، وخرج من
ً داره واكترى من السوق حمارا أخضر، فركبه وانساب في الأزقة والشوارع، فالتقط كل
خبر شائع، وسارع بما جمع إلى مولاه، فقص عليه ما
املقالات الأدبية
ً كما شرى، بل أضاف إلى كل لفظة من أمثالها عشرا، فحظي عنده بأعلى منزلة، وبالغ في
احترامه وبجله، وقال له: أيها الشيخ املعمر، ومن هو نعم السمري املدبر، اركض بخيلك
َّ ورجلك ولو في الدواوين واملصالح، وأتحفني بأخبار املقيم والغادي والرائح، وإن لاح
لك في مدحي فرصة، فانتهزها عسى تزول بها عني الغصة؛ لأعود يا أبي، كما كنت
إلى منصبي. فأجابه الشيخ بالطاعة والسمع؛ لطمعه في الحصول منه على النفع، ثم
ٍّ ودعه وانقلب إلى داره، وأمر كلا من زوجته وأولاده بالتجرد عن أطماره، وصعد بهم في
الثلث الأخري من الليل على السطح، وكان يحفظ من القرآن الشريف سورة الفتح، فتلاها
بسكينة وخشوع، وقد تناثرت من عينيه الدموع، وقال: يا أولادي، أنتم تعلمون ما كنا
ُ فيه من الفقر، وعري البدن والفاقة التي تقصم الظهر، وإن هذا الرجل امل ْحِسن تكفل
لنا باملئونة والكسوة، ودفع عنا بما وصلنا به من الإحسان ما كان للزمن من الجفوة،
فارفعوا أكف الضراعة بإخلاص، واطلبوا منه جل وعلا إنقاذه من ضيق الأقفاص،
َّ وعودته إلى ما كان عليه من الإقبال، وامتيازه في الدَرجة عن الأقران والأمثال، وقد استمر
ِ معهم على ذلك نحو سنة، لا تأخذهم فيها عند السحر نوم ولا سنة.
فلما كان في أول ليلة من شهر الصيام، خلعوا ملابسهم والناس نيام، ودعوا
وعليهم أمنت الوالدة، وكانت أبواب الدعاء مفتحة والأيام مساعدة، فاستُجيب دعاء الوالد
والأفراخ، وانتُشل الرئيس من وحلة الطرد وما له من الأوساخ، وذُكر عند الوزير بخري
في الديوان فأمر برده إلى منصبه، وانجلت عنه غياهب الحرمان، وعند فراغ الشيخ في
صبيحة هذه الليلة من عبادته سعى إلى خدمته على حسب عادته، فتعذر عليه الوصول
إلى الجناب، بسبب ازدحام الحمري والبغال والخيل على الباب، وملا أعياه ذلك، وضاقت
َ عليه املسالك، قال لبعض الخدم، وكان اسمه كعب بن قدم: كيف السبيل إلى لقاء السيد
الجليل؟ فقال مستهزئًا به وقد رجمه بالحصى، وضربه على كتفيه بالعصا: من أنت أيُّها
ُ الحقري، حتى تحظى بمقابلة الرئيس الخطري؟ إني أظن يا سخيف العقل أنك مجرد
من حلية الفضل، أيخطر ببالك أنه باق على عهده القديم، أو أنه يجد وقتًا يستغرقه
في منادمة النديم؟! أما علمت يا خرفان أنه تحول من شان إلى شان، وأنه أماط عنه
جلباب التواضع والفتور، واستعد ملباشرة الأمور، وكأن به قد أهمل الرفيق، وتغافل إلا
عن الرحيق.
فقال له الشيخ: كذبت فيما ادعيت، ولا جرم أنك عليه افتريت، وسأقص عليه خبرك؛
ليقطع من الدنيا أثرك، فقال الخادم: يا شيخ الضلال سترى، أن مثلي ما كذب وما
44
املقالة الخامسة
افترى، وكان الأقرع قد تعب من طول مدة الوقوف، فرجع إلى داره بالخيبة والكسوف،
ُتي به في هذا اليوم،
وبمجرد دخوله العتبة، قال له ابنه أبو رقبة: يا أبتي، إن الراتب ما أ
وإنه لا قدرة لنا في الليل والنهار على الصوم؛ فسكت الشيخ على مضض، وقد اعتراه من
شكوى ولده املرض؛ لأن عائلته ملا كانت كثرية العدد، كان لا يبقى من مرتبها اليومي
أدنى شيء إلى غد، ويُقال إنَّهم باتوا في هذه الليلة بلا زاد، وإن أحوالهم قد تبدلت بعد
الصلاح بالفساد.
ثم انتبه الشيخ من نومه ونهض في يوم الأحد، إلى ملاقاة مولاه الأوحد، فلم يصل
َّ بأي حيلة إليه؛ لكثرة الازدحام عليه، وقد استمر على ذلك أربعة أيام، مضت عليه كأنها
لطولها أربعة أعوام، وخطر بباله في اليوم الخامس، أنه يدخل عليه وهو في الديوان
جالس؛ لعله يفوز من الاجتماع معه بعد الوحشة بالاستئناس، فانتهز فرصة استراحة
الحراس، وأيقن أنه بزعمه أتقن الحيل، واندفع في قاعة جلوسه على عجل، وتأمل فيها
فوجدها ملونة الجدران واسعة، وهي لأنواع الظرافة والزخرفة جامعة، وشاهد في صدرها
ًشبحا كأنه أسد، أو آدميٍّ َّ ا مشوه الخلقة كالرصد، وقبل أن يدنو منه ويفوز بالقصد، سمع
َّ منه صيحة هائلة كالرعد، فانقلب على ظهره وسحبوه، وطرحوه على الأرض وضربوه،
ً وقال له زعيم الأعوان نذير، موبخا له على فعله النكري: لك الويل يا أغبر، يا مهني يا
قبيح املنظر، كيف خاطرت بنفسك، وتجاريت على ارتكاب ما يسوقك إلى رمسك؟! ثم
تفل في وجهه وصفعه، وقال: على أبيك اللعنة وعليك معه، اذهب — لا كنت — من حيث
أتيت، وإن رجعت بعدها إلى هذا البيت، أشبعناك ضربًا، ودفناك بالحياة غصبًا، تبٍّا لك
يا سلالة الأنذال، ويا حثالة أسافل الجهال، كيف تسعى بقدمك إلى إراقة دمك!
َّم َّ ا انفلت الشيخ من أيدي الأعوان اللئام، وقد خف عنه بعض ما كان يجد من
لَ
فَ
الآلام، أخذ يمشي الهوينى حتى انتهى إلى منزله عند الغروب وهو في ارتباك، وقد أشرف
من الضرب بالسياط على الهلاك، ودخل على زوجته وشقه مائل، والدم من رأسه سائل،
فقالت له: من فعل بك هذا يا ابن شعلان؟! قال: فعله جماعة من الأعوان، بعد ما أفرطوا
في السب واللعن، وأوعدوني إن لقيني أحد منهم بالطعن. فقالت له: لعلك ما عرفت
لزعيمهم حقه، ولا استعملت معهم في كلامك الرقة، فعوقبت على قلة أدبك، بما أودى بك
ِج ُب ُ عليك مع فقرك، وزيادة فاقتك وع ْسرِك؛ أنك يا أقرع بالنزر
إلى سوء منقلبك، وإنَّه يَ
اليسري تقنع. فقال لها: إني دخلت في قاعة الرئيس الهمام، لزعمي أني له من جملة
ً الخدام، فسحبوني على وجهي قهرا، وعاملوني بضد عدل كسرى، هنالك نسيَ ْت بما ناله
45
املقالات الأدبية
من العذاب الأليم، ما كانت فيه مع عائلتها من النعيم، وتمثلت وهي على جمر الغضا
بقول من مضى:
أيا ويح ر ده مهندقعدم و الاف فامينقضي فه يرلاجه ي مأرب
يكدر عيش المرء بد ع صفائه وإن ما كسا ثوبًا من العز يسلب
ثم قال لها: يا حليلتي، ويا صاحبتي وخليلتي، إن هذا الرجل قد غدر بي ومكر،
وجعلني عبرة ملن اعتبر، وانقطع عنا كما تعلمني الراتب، وزحفت إلينا جنود النوائب،
ُ فاخلعي مع البنات ما عليكن من اللباس، ولنقل بأجمعنا: اللهم يا شديد الباس، اشدد
ً وطأتك عليه، وافصله من منصبه ولا تنظر إليه، وليكن ذلك سريع ً ا معجلا، لا بطيئا
ً مؤجلا.
لعن اله ل من يرى الضر للنا س ويسعى في كشف حال الخلائق
رب فأنزل عليه سوط عذاب وارمه الآن في أشد المضايق
وأذقه نكال بطشك واصرم عمره في دياره بالصواعق
ايشد دي المحال شدد عله ي الـ ك ـرب وانصب ه ل شباك العوائق
وكان دعاؤهم عليه كل ليلة في وقت الفجر، فاستجاب الله منهم في عامهم وقُضي
الأمر، ومنع عن مباشرة وظيفته، بعد إحالته على خليفته، وكان السبب في إبعاده على ما
قيل في هذه املرة، هو أنهم رموه بقتل خادمه سكران بن خمرة؛ لادعاء بعضهم عليه أنه
َّ جمع ما جمع من الرشوة، وصرفه في سبيل اللهو والصبوة، وملا عاد إلى ما كان فيه من
الضيق والكرب، وكان في هذه الدفعة قد انتقم من الحساد بالضرب، أغضب الصديق
والجار، وفي حكمه على الجميع جار، فازداد عليه حنق العاقل والأحمق، ونظر إليه كل
ِّ واحد منهم بعني العدو الأزرق، وبعد أن مكث في سجنه نحو شهر، يتقلب وحده على
الجمر، تذكر الأقرع بن شعلان، الذي كان يأتيه بالأخبار في بعض الأحيان، وكان هذا
َّ الشيخ عند ذلك يقول، وجسمه من السغب في نحول: ليت شعري هل يسمح الزمان
َّ الذميم، بالقرب من سدة الرئيس الك
املقالة الخامسة
ويتعلل بلو وليت، ويقول هيهات هيهات، أن يرجع ما فات! إذ دخل عليه بشري، غلام
الرئيس الخطري، وكان قد بعث به إلى هذا الأقرع، فانطلق إلى منزله كلمح البصر أو
أسرع، وقال له بعد السلام والتحية: أجب مولانا صاحب السدة السنية، وكان الشيخ
لا يعرف هذا الغلام، مليح الصورة رشيق القوام، فقال له: ومن هو هذا الأمري، الذي
تدعوني ملقابلته وإليه تُشري؟ فقال: هو سيدك ونصريك، وعدتك في شدتك ومجريك، وإني
أيها الشيخ الفقري، أعتذر لك عنه في التقصري، وقد جاء معي أخي عنبر، وهو واقف أمام
بابك الأكبر؛ فلثم الشيخ يده اليمني، وقال له: مرحبً ُ ا بك أيها الأمني، وكان الغلام قد
هيَّج فيه شهوة الطمع، وأعطاه من النقود كمية اندفع بها عنه الوجع، ووعده بأموال
َّ وضياع، ورفاهية أحوال ومتاع، فلم تكن إلا هنيهة من الزمن أو لحظة، حتى نال الشيخ
من هذا الطلب حظه، وبمرافقة الغلام إلى مولاه سمح، وعفا عن دهره املسيء وصفح،
ُ وبعد صلاة الظهر لبس أطماره البالية، وتمنى مفارقة عيشته غري الحالية، وسار مع
الرسول، ولسان حاله يقول:
سامح زمانك إن أتى بد ع العناد مسالا م
واقل ب معر اذي امرئ أولاك مه ن مكارام
فلما دخل عليه في قاعة الجلوس، ودنا منه بوجه غري عبوس، وانكب على القدمني،
وقبلهما بعد اليدين، قال له: ما الذي قطعك عني، وأنت بمنزلة الروح مني؟ فقال:
قطعتْني عنك السياط، وحرماني أنا وعيالي من املرتب للسماط، فتأسف عليه وتألم،
وقال: تاهلل يا أبا مريم، إني ما رأيتك منذ عدة شهور، مع احتياجي لك في بعض الأمور،
وإني ما أشرت إلى أحد بضربك، ولا أغريته على شتمك وسبك، ولا أمرت بقطع الراتب،
َ بعد قيده في سجل الكاتب، فقال له: يا سبحان ربي! أما أنت الذي أشرت بضربي، وأمرت
بقطع معاشي، وشق ريش رياشي؟ فقال: لا وحرمة ما لك عليَّ من الخدامة، ما وقع في
حقك ما يُ َ وجب امل ْ لامة، فإن كان قد أصابك من الإهانة، ما يقضي بالانخفاض بعد علو
املكانة، فلا تحمله على الاستخفاف، بمن هو دونك ولو من الأجلاف، بل احمله على رداء
إبليس، الذي يستر به عني كل رئيس، عند قيامه بوظيفة جليلة؛ ليُنسيه صديقه وخليله،
ِّ ويضرب الحجاب بينه وبني العدو والحبيب، حتى لا يميز البعيد من القريب.
فلما سمع الشيخ منه مقاله، عرف أنه صادق املقالة، وصفا له وقبل عذره، وانقاد
له وامتثل أمره، وشرع على جري عادته في
املقالات الأدبية
من الأكدار، وضاعف له أرزاقه، وحل منه الفقر وثاقه، وكساه حلة جديدة، وملأ بطنه
َّ الجائع بالثريد والعصيدة، وأقطعه ضيعة خصبة، ذات بساتني وعيون عذبة، يقال إن
َّ غلتها لا تنقص في كل سنة، عن مائتني من الد ُ نانري امل ْستَحسنة، ووعده أنه إن عاد إلى
منصبه الفخيم، وانجلت عنه دياجي العزل الوخيم، كان أول داخل عليه وآخر خارج
من عنده، وشاركه في أمره ونهيه وحله وعقده، فعند ذلك قال له الشيخ بعد أن أخذ
عليه العهود: سترجع إلى منصبك على رغم الحسود، ثم تركه ومضى إلى البيت، يعدو
على رجليه كالجواد الكميت، وقال لزوجته: أيتها الوليفة، إن الرجل تاق إلى الوظيفة،
فاستعدي للدعاء له لا عليه، عسى يعود منصبه إليه. فقالت له: إنه ما عرف لك هذه
َ املنْقَ َّ بة، ملا ساملته الأيام وجلس على املرتبة، وإننا لا نزال بخري، ما دام هو في ضري، وقد
َ رأيت بالأمس ما فعله. فقال: لا تثريب عليه يغفر الله له، ثم دعا فأجيب بعد مدة من
الزمن إلى ما طلب، وفاز الرئيس من دعائه بالأرب.
وكان الشيخ قد احتال حتى خرق سقف مخدع ظريف في الطريق املوصلة إلى
الديوان املنيف، وانتظره إلى أن ركب ومن تحته عبر، فأدلى من الخرق رداء حجب بصره
َ عن النظر، فانزعج الرئيس وقال وهو في حالة الخوف: ما هذا امللم الذي حَّرك مني
الخوف؟ فقال له الشيخ: يا مولاي، لا بأس عليك، هذا ردائي قد سبقت به إليك، حتى لا
يتمكن إبليس من وضع ردائه على وجهك املهاب، وأعود أنا إلى ما كنت فيه من العذاب.
فلما عرفه ذهب عنه الروع والاضطراب، وأنزله من املخدع وقربه منه كل الاقتراب،
ووصله واتصل به غاية الاتصال، وعاش معه في أرغد عيش بلا انفصال، حتى أدركه
ِ الحمام بعد ثمانية أعوام، ولم يزل أولاد هذا الشيخ من بعده، رافلني عند الرئيس في
ُحلَل رفده، ناطقني بشكره، إلى أن ثوى بقبره، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسبغ عليه
النعم السرمدية في جناته، ومتعه فيما بها من القصور، بوصال الحور الفائقة في الحسن
على تمام البدور.

Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: