قال لي أبو الحزم: انفرد أمري الجيوش أبو العزم، عن رجاله والجنود، عقب بروق ورعود؛
لانتهاز الفرص في الصيد والقنص، فلاحت له على بعد نعامة، كأنها لجسامتها وارتفاعها
َّ دعامة، فاقتفى أثرها بلاحق، لا يفوته في مجاله سابق، وجد في طلبها؛ ليسوقها إلى
َّ عطبها، وعندما دنا منها وهم بالقبض عليها، سبقه ليث هاصر إليها، وضربها بأظافر،
َّ كأنها الخناجر، فقد َّ ها نصفني، وشطرها شطرين، فلما رأى ذلك أمري الجيوش، صاحب
الوجه البشوش، عبس وبسر، وزاغ منه البصر، وجال على أبي الأشبال جولة الأبطال،
وهو يترنم بقصيد، للطائي أبي زبيد:
أفم اطول شهدت ببن ط َخبْ ٍت وقد لاقى الز هرب أخاك بشرا
ْ إذن لرأيت ليثا ر َ ام ليا ث هز ًبرا أغلاب يغشى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عهنمهري ُمحاذرة فقلُت عقرت مر ها
أنل ق َّ دمي ظهر الأرض إني وجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له ودق أبدى نصالا محَّددة ووجًها مكفهًر
املقالات الأدبية
وقلبي مل ث قلبك لست أخشى مصاولة ولست أخاف ًر ذعا
وأنت تروم للأشبال قوتًا ومَّطلبي لبنت العم م ً هرا
ففم ي تروم مثلي أن يولِّي ويترك في يديك النفس ق ًر سا
نصحك ت فالتمسايليث غيري طعًاما إن لحمي كان ٍّمرا
فلا مظن أن الغش نصحي فخالفني كأني قلت ُه ر جا
مشى ومشيت نم أسدين را ام مر ً اما كان إذ طلباه وعرا
يكفف غيلة إحدى يديه ويبسط لو لثوب عَّ لي ر أخى
هزرتهل الحسام فخلت أني شقتهب لدى الظلماء فر جا
وجدت له بطائشة ر ا آه لمن كذبه ت ام نمَّه ت قدرا
بر ضةب فيل ص رتكه ت شًع فا وكان كأنه الجلمود وترا
فخر مضر ًجا بدم كأني هدمت به بناء ُم ْش َم ِخرا
وقلت له يعز علَّي أني قتلُت مناسبي جًد لا وق ًر ها
ولكن رمت شئ يًا لم يرهم سواك فمل أطقايليث صًر با
تُحاول أن تعلمني ف ً رارا لعر م أبي لد ق حاولَت ن ًر كا
ٍّحرا يحاذر أن يُعاب ُفم َّت حرا
فلا تبد ع فقد لاقيت
وملا عاين أسد العرين، استعداد هذا القرين، حمل عليه وكشر، وصاح وزمجر،
فأجابه بصوت يصدع الصخور، ويقلع الرصني من القصور، وضربه بالسيف في جبهته،
فشقه إلى صرته، وأنشد بعد انجلاء الغبار، وهو على مصرعه في القفار:
املقالة الثانية عشرة
صهوة جواده بلا مهل، واخترط حسامه من غمده على عجل، وانحط على اللبؤة القاتلة،
ُّ فضربها ضربة هائلة، أطاح رأسها عن البدن، وأخلى منها الر ِّ بوع والدمن، وسطا على
أحد الأشبال واقتلعه من الأرض، ورمى به آخر فاختلط طولهما في العرض، وأطاح
بسيفه القاطع، رأسي الثالث والرابع، ثم جرى على قدميه حتى أدرك ابن النعامة، وتناول
بيده اليسرى زمامه، وقصد الأجم وهو يترنم بأوزان، مأثورة عن أبي الطمحان:
وإني من القوم الذين ُهو م ُهمو إذا غاب منم ه سٌد ي ناب صاحه ب
نجوم سماء كلا مغاب كوكب بدا كوكب تأوي إله ي كواكه ب
أضاءت لم ه أحسابهم وووجهه َّ م دجى الليل حتى نظ ه م الجزع ثاقب
َّلما انتهى إليها، وأشرف عليها، دخلها والجواد من خلفه؛ لأنه كان بمنزلة أنيسه
فَ
وإلفه، ثم خلع عنه سرجه واللجام، وبلغه من املاء واملرعى املرام، وأوى إلى شجرة وارفة
ُ الظلال، واضطجع تحتها من التعب على الرمال، وكان الليل قد أقبل بسواده الحالك،
وعاق جيوشه عن استكشاف ما سلكه من املسالك، فرجعوا بالخيبة إلى الخيام، وأبوا أن
ُ لا بقول مسلم بن
ِمثِّ
يمتعوا أجفانهم بما يتمتع به النيام، وقال نائبه، كأنَّه يُ ُ خاطبه، متَ
الوليد، في ممدوحه الأمري يزيد:
ينال بر الفق امتعاير الجال هب كالموت مستعً جلا يأتي على مِل ه
يكو س السو ي َف دماءَ الناكثن ي به ويجل ع الهام تيجان القانال ِل ذب
حذار من د أس رضغة ام بطل لا يُوغ ل السيف إلا مهة ج الب ِل ط
ومٍف على ُمج ه في يوم ذي َرجه كأنَّه أجل يسعى إلى أمِل
دق َّوعد الطر ي عادات وثقن با ه فهن يتبعه ن في كل رمت ِ حل
تراه في الأنم في درع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يُ ِل دعى على عج
املقالات الأدبية
وأحاطوا به على الخصوص، وأوثقوه بالكتاف، وكادوا يطرحونه في مهاوي التلاف، وكان
ُ قد استشعر بهذا الأمر امل َّ نكر وهم بالوثبة عليهم بالسلاح، فلم يجد له سبيلا إلى الكفاح؛
َمته وعدته، وقال له كبريهم:
َ لأنهم مالوا عليه قبل أن يثور من رقدته، واستحوذوا على لأْ
أيها الرجل املغرور، ما ساقك إلى هذا املكان غري املعمور، إلا أمر يفضي بنفسك، إلى
هلاكك وحلولك برمسك، فقلت له وقد أظهرت البشاشة بعد العبوس: كيف تقتلون من
زالت عنه بسعودكم النحوس؟! على أني أعلم أنكم لو وقفتم على حقيقتي، وعرفتم ما
أنا عليه لسلكتم طريقتي، ولاتخذتموني لكم من الأصحاب، ولآثرتموني بالود على جميع
الأحباب، فقالوا له: وما هي حقيقتك يا نظيف الثياب؟ وما هي طريقتك التي اتباعها
ُ عني الصواب؟ فقال: أما حقيقتي فإني لص محتال، صاحب إقدام على الأهوال، وأما
طريقتي فهي اختلاس الأرواح والأموال، ونهب أثاث القصور في غالب الأحوال، وعندي
سر لو عرفتموه لانتفعتم به في كل ملمة، ولنجوتم به من الغوائل في كل ليلة مدلهمة؛
ٌّ
فقالوا له: وما هذا السر أيها الساحر؟ وهل تعلمته من الأوائل أو من الأواخر؟
فقال لهم: إنَّه لا يسوغ لإنسان، أن يتفوه به وهو في حالة الذل والامتهان، فإن
أردتم الفوز بمعرفته، والوقوف على كنه صفته، فأطلقوا مني السراح، وردوا علي الجواد
والسلاح، ثم اسمعوا مني، ما تتلونه في الشدة عني، وكانوا من غري الأشراف، الذين هم
سكان الأطراف، وكانوا لا يميزون بني الحق والباطل، ولا يفرقون بني الصحيح والعاطل،
َّ ولا يتوهمون أن ً أحد ِّ ا من الرجال، يخدع عند الضرورة بزخارف املحال، فصدقوني فيما
وا عليَّ بالإطلاق من الوثاق، وتقدم أحدهم إليَّ وناولني سيفي
أتيتهم به من الاختلاق، ومنُّ
الصقيل، وقرب مني الجواد الأدهم الأصيل، فركبته وخرجت من الغابة، بوقار وسكينة
ً ومهابة، وتبعوني طمعا في معرفة السر، الذي هو على حسب وهمهم ضرب من السحر،
ُ وهنالك امتشقت ُ الحسام، وقلت لهم: ارجعوا من حيث أتيتم يا بني اللئام، فهذه حيلة
ابتدعتها، وخديعة اخترعتها؛ لأتخلص بها من ورطة الارتباك، وأنجو من حبائل الهلاك،
ِّ والآن ليس لكم عندي سوى قطع الر ْ قاب، وترك جيفكم لغذاء الوحوش والكلاب، فإن
أردتم لأنفسكم السلامة، فاذهبوا قبل أن تحل بكم النَّدامة، وإلا فابرزوا جملة واحدة،
َّما تحققوا مقالي، وعرفوا سؤالي، حملوا عليَّ
لَ
حتى أهدم من أجسامكم الأساس والقاعدة؛ فَ
َّ بالسيوف، وعولوا علي تجريعي كأس الحتوف، فصدمتهم صدمة تهد راسيات الجبال،
وقتلت منهم في أقل من ملح البصر ثلاثة رجال، وكان النائب قد نشر البنود، ونادى
َّ بالرحيل في الجنود؛ لعله يقص الأثر، أو يقع على خبر، فلما انتصف النهار، نزل للراحة
86
املقالة الثانية عشرة
في القفار، وأرسل الجواسيس والعيون؛ ليكشفوا الطرق واملناهل والعيون، فغابوا ساعة
من الزمان، ثم عادوا وأنا معهم على ظهر الحصان، متمثلا في الأول بقول السموأل:
إذا المرءمل يدنس نم اللؤم رع هض فكل رداء يرتديه جميُل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيُل
تعيِّرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليُل
وام قَّل من كانت بقاياه مثلان شباب تسامى للعلا وكهو ُل
و ام ضران أنَّا قليٌل وجاران عزيز وجار الأكثرين ذليُل
لا ن جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليُل
ر اسأصه ل تحت الثرى وسا مهب إلى النجم فرع للوفاء طويُل
و ا إن أناس لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلُ ول
يقرب حب الموت آجالا ن لنا وتكرهه آجالهم فتط ُ ول
وام مات ما ن سيد حتف أنفه ولا طل ما ن حيث كان قتيُل
تسيل على دح الظبات نو فسنا وليست على غر ي الظبات تسُ يل
د بخيُل
ونحن كماء ُم الزن امفي نصابان كهام ولا فينا يُعُّ
وننكر إن شئانعلى الناس وقلهم ولا ينكرون القول حين نق ُ ول
إذا سيد منا خلا قام سيد قئول با م قال الكرام فع ُ ول
وام خمدت نار لنا دون طارق ولا ذما ن في النازلين 
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: