ٍنس ُ كانت بالبدر املنري مشرقة؛ أنه نشأ
ُ
حدثني مبارك الطلعة، الصديق الثقة، في ليلة أ
َّ بمدينة سان، فيما سلف من الزمان؛ أخوان يتيمان، تُوفي أبوهما وهما صبيان، وماتت
أمهما بعده بعام، وتركتهما بلا زاد ولا حطام، فألجأتْهما ضرورة القوت، تارة إلى خدمة
ً ذوي البيوت، وطور ِّ ا إلى الكد في العمل من غري كسل، مع سد الرمق بكل ما حصل،
وتماديا على مزاولة هذه املشاق، التي ضاق بها منهما الخناق، حتى جمع كل واحد
ُشَّد ُه ً ما؛ مقدار ُ ا من الدراهم املعدودة، والنقود املَّدخرة املرصودة،
َ
منهما بعد أن بلغا أ
فاتقفا على التأهل بشقيقتني شريفتني عفيفتني، واشتغل منهما الفكر بذلك في الجهر
والسر.
وسمع بخبرهما بعض اللصوص، فصرف عزيمته إليهما بالخصوص، وانقض على
مأواهما في ليلة حالكة السواد، وقد غرقا في بحر الكرى بعد طول السهاد، فسرق املال
وطار قبل أن يفضحه ضوء النهار، واستيقظا من الرقاد، وشغفهما إلى الزواج في ازدياد،
َجني، فقال أحدهما للآخر: باملال
ولم يعلما بذهاب الأثر والعني، ولا بانتهاب النضار واللُّ
ً يتخذ الإنسان سلما، ويصعد به متى أراد إلى السما، ونحن بما عندنا من النقد، نفوز
ِّ على رغم الحسود بالقصد، فابعثني إلى أي خاطب إن رمت نيل املطالب، فقال له.
املقالات الأدبية
وقد لاحت منه التفاتة إلى باب الخزانة، التي كانت بالأمس محتوية على الأمانة:
ما لي أرى عقب هذا الباب قد انصدع، وقفله انفصل عنه ووقع، وفي الحال أخذ بيده
َ وقصده، وبحث عن املال فما وجده.
له ل أشكو من زمان ساءني وعَّ لي غارات المصائب نشَّا ه
و َرس ْت إلى قلبي هموم غو ممه وسو يهف لقتال صبري نسَّا ه
فطفقت أنشد والخطوب تنوشني صبت عَّ لي مصائب و ل أنا ه1
هنالك أرسلا من أعينهما أدمعا، وتأسفا على ضياع دراهمهما وتوجعا، وتمثلا في
هذه الحال، بقول من قال:
ٌ مال َّ كأن غراب البين يرقبه فكلامقل ي هذا مجٍدتنا عب
ثم أجمعا أمرهما على مفارقة الأوطان لبلوغ الأوطار، وقد هان عليهما في طلب
ُ الرزق ركوب الأخطار، وقال أكبرهما اللبيب م َخاطبً ُ ا لأخيه الأريب، وم َسليًا له على نوائب
الأزمان، والنزوح بغري اختيار عن الأوطان:
َّ تغرب عن الأوطان في طلب العلا وسر افففي الأسفار خمسوف ِد ائ
تفرج هم واكتساب معي
املقالة الثالثة
َّ هذا وقد جد ٍ ا في التقلب من واد ٍ إلى واد، والتنقل في النجائد والوهاد، وصبرا على هذا
املصاب صبرَ َم َّ ن استسهل الصعاب، وتأسيا في هذا الخطب النازل بما قال القائل:
لأستسهلن الصعب أو أدرك المنى فا م انقادت الآمال إلا لصابر
ويقول من يرجو بصبره بلوغ املآرب، ويترقب حسن العواقب:
الصر بمل ث اسه مرممذاقت ِ ه لكن عواقبه أحلى من العسل
َّ اهب، ورماه الزمان من كنانة غدره بنبال النوائب:
ويقول من ضاقت عليه املذَ
َوب ز المان فإنا ه مخلوقة لنكاية الأحرار
صًر با على نُ
لا يُخسف النجم الضعيف وإنما يسري الخسوفرلفعة الأقمار
فكانا تارة يمدان أيديهما للسؤال في الظلمات، وآونة يحتطبان في ضياء النهار
من الأجمات، ومرة ينخرطان في سلك العملة، ويقتديان في نقل الجري والطني بالفعلة،
ُ وأخرى يخفران الحوانيت بالليل، ويحرسان في الغياض املواشي والخيل، وكلما ضجر
أحدهما من الاغتراب، قال له أخوه بأعذب خطاب: يا ابن أمي، إن لسان الفرح يناجي،
صبرًا صبرً َّ ا؛ فإن الفرج يفاجي. ويخفف عنه بلواه بقول القائل رحمه الله:
خفِّض عليك ولا تكن قلق الحشا ما م يكون ولعَّه وعساه
فالر ده أقر ص مدة ما مترى وعساك تُكفى رش امتخشاه
ُ وقد عكفا على مثل هذه الأعمال، مَترَقِّبني من دهرهما صلاح الأحوال، مدة سبعة
أعوام، وستة أشهر وخمسة أيام، حتى ت
املقالات الأدبية
ً ثم ترقبا للسفر، يوم َّ ا ليس فيه مطر، وهم ِّ الجريان والأمثال، بمنعهما عن الترحال،
َحُد ُ هما مشريً ً ا بيده إليهم، وشاكرا لهم ومثنيًا عليهم:
َ
فقال أ
لو كان قلبي معي ما اختار غيركم ولا أردت وسم اك في الهوى بًدلا
لكنه راغب فيمن يعذبه فليس يقبل لا قًولا ولا ع ً ملا
وتفرغا للمناقشة في هذا الصدد، وسرعة الانقلاب إلى البلد، والعزيمة على التأهيل
باثنتني من الأبكار، أو من الثيبات املصونات الأحرار، وبعد أن طال في ذلك بينهما
َّ الجدال، انحط َرأيُهما على الترحال، فوجها وجهيهما إلى البحر، وكان بينهما وبينه مسرية
ميل في البر، فقطعاه على أقدامهما بلا مهل، ولحقا باملوردة على عجل، وكان لسان الحال
َّ ينشدهما عند ذلك من أبكار أفكار حبيب، هذا املعنى الفائق الرائق الغريب:
َ ل فؤادك حيث شئت من الهوى ام الحب إلا للحبي ِ ب الأول
نقِّ
مك منزل في الأرض يأله فالفتى وحنينه أبًدا لأول من ِ زل
ُ وبم َجَّرد وصولهما إلى الساحل، املشحون باملراكب والزوارق والصنادل، نزلا سر ًيعا
ُ مع الركاب، في زورق متأهب للذهاب، وقالا وقد رفع الشراع، بعد الإشارة بالوداع.
ودعتهم ودموعي على الخدود غزار
فاستكثروا دمع عيني لا ماستقلوا وساروا
َّفلما انساب هذا الزورق انسياب الأرقم، بريح طيبة في لجة البحر الأعظم، صار
ُّ يقتحم املوج ويمر َّ من فوقه مر ِّ السحاب، ويتجنب في طريق سريه ما ارتفع من الشَعاب،
َّ حتى إذا قطع مسافة يومني تكد ِّ ر صفاء الجو، واختلفت الرياح وأظلمت السماء وتحدر
ُّ النو، وانكسرت الدفة وتقطعت الحبال، وأقبلت الأمواج من كل جهة كالجبال، واختفى
عن أعني امللاحني أثر املسالك، وتحقق الوقوع في مهاوي املهالك، وعظم الخطب، واشتد
ال
املقالة الثالثة
ايخالق الخلق يا رب العباد وي َ ا من قلت في محكم التنزيل ادعوني
ر طا فذ خ بيدي ايجامع الأرم بن ي الكاف والو نِن
إني و دعتك مض ٍّ
وإذ كان لا دافع لسهام القضاء والقدر، ولا مانع ملا تحتم وقوعه من الضرر،
ِ اضطرب الزورق ودار، وانحدر على الفور إلى القرار، وجميع من فيه م َن النَّاس هلك،
ً وصار طعاما للسمك.
ومن لم يمت بالسيف مات بغيره تو نعت الأسباب والموت و ُد اح
ولم ينج من هذا السفر املنحوس، بعد فقد املنقوش وامللبوس سوى الأخوين؛ حيث
ظفر كل منهما بلوح فركبه، وانطرح عليه من شدة التعب كالخشبة، وترك نفسه عليه
ملشيئة الأقدار، وكان البحر قد سكن وارتفعت الأمطار، فاستقام به في السري واعتدل،
وقرب به من البر وإليه وصل.
أروم الصفا والقرب من جيرة المسعى وأجعل أجفاني لأقدامهم مسعى
فوادي الغا ضفي مهجتي وأضالعي هي المنحنى والعين أرسلت الدما ع
ألا اي حمام الأيك هيجت لوعتي إلى جانب الر جعا ومن لح بالر جاع
بلاد على أفق السماء محلا ه أحن إليها والذي أخرج المرعى
فتعانقا عناق الألف للام، وأفرطا على الدهر في امللام.
لا تأمن الدهر في كل الأمور ولا تعتب عليه إذا امخان أو غدرا
فه إنمل يزل في حكه م كلا ف با ميسوق إلى أبنه ائ ضررا
وقال
املقالات الأدبية
ألا إنما الأيام أبناء واحد وهذي الليالي كلا هأخوات
فلا تطبًا ل نم عود يوم وليلة خلاف الذي مرت به السنوات
ولولا لطفه بنا عز وجل، ووجود فسحة في الأجل، لم يكن لنا من الهلاك، في هذه
الدفعة فكاك، فماذا نصنع الآن في هذا العسر وقد مسنا الضر؟ أنرجع إلى الوطن بالخيبة
وتجريد البدن؟ أم نطوف بجميع الربوع، ونهجر في طلب الرزق الهجوع؟ وبعد أن
طال بينهما الكلام في مثل هذا املقام، بدا لهما أنهما لا يرجعان إلى مسقط الرأس، وهما
َّ على هذه الحالة من الفاقة والبأس، وترجح عندهما عدم الإياب، إلى وطنهما بلا مال ولا
ثياب.
لي في الهلحن س نظ جميل إن تجافى نع الخلل ي خلُل ي
لي رزق لا دب منه وع ٌ مر ينقضي والكثر ي مه ن قلُل ي
ومع العسران تتابع ي ٌر س وصروف ز المِان حٌ ال يو حُل
رب ر أم يضيق ذرعك مه ن لك فه ي إلى ن الَّجاة سبُ يل
إنا م هذه الحياة غروٌر دقشغا فنباهفن أي العقول؟!
ننر ظ الحق مث نعرض عنه ونراه ونحن عنه نميُل
ليت شعري عواقب الأمر ماذا وإلى ام با ن المآل يئو ُل
ام قضاه الإله لا دب مه ن فعلام هذا الر عيض الو ط ُل ي
َّ إن لله في العباد م ً رادا وسوى ما أراده مستحيُل
نن ح مستعملون فيامخلا قن املانفي نو فسانامنو ق ُل
فتوغلا في املدن والقرى والضياع، واشتغلا بما فيه صلاح حالهما وخافا على وقتهما
ً الضياع، وكانا تارة يقطعان الحجر، وتارة يقلعان الشجر، وطورا يحرثان الأرض
َّ بالأثوار، ويبذران الحبوب فيها بمقدار، وطاملا مرت عليهما سنوات وشهور، في رعي
ِّ جور، واهتما بمب
املقالة الثالثة
َّ هار بضيائه تحول،
بنا للرحيل، واصفح الصفح الجميل، وكان الليل بظلامه قد أقبل، والنَّ
َّ واحتاجا للراحة فأخذ كل منهما مضجعه، بعد أن ملأ بحديث الأمان مسمعه.
يا رد اق الليل مس ً رورا بأول ً ه إن الحوادث قد يطرقن أسحارا
فلا وأبيك ما مضى من الليل إلا هجعة قليلة، وبرهة من الزمن غري طويلة، حتى
َّ وقعت ضجة، عقب هذا ورجة، وصاحت صائحة في أثر غادية ورائحة، واشتعلت النار
َ في جميع جهات الدار، واحترق من السكان، من كان غري يقظان، وفي هذه الك َّرة، عدم
َّ الإخوان الصرة، وما سلما من اللهب، ولا تخلصا من العطب، إلا بعد تجشم أخطار لم
تكن في الحساب، وخوض أهوال دونها ضرب الرقاب، ووثوب فيما بني أماكن محترقة،
َّ بغاية العسر من كل طبقة إلى طبقة، وتجردا عن لباس ونعال، وحمري وأفراس وبغال.
أحسنت ظنك بالأيام إذ حسن َ ت ولم تخ ْف سوء ما يأتي به القدر
وسالمتك الليالي فاغتررت بها وعدنصو ف الليالي يحدث الكدر
ٍّ وبعد مضي سبعة أعوام كوامل، في كد وتعب بلا طائل، لم يكن رأس مالهما سوى
السلامة، فأكثرا على الدهر من امللامة، وأعرضا عن التنويه بذكر دار الولاد، ورأيا أنه لا
فائدة في تعلق الآمال بزينب وسعاد، واعتزلهما الصاحب والجار؛ لفاقتهما عند احتراق
الدار.
لد ق ملني بالفر ق خلي وصاحبي وإن جئت أشكو ما أقاسيه صاح بي
وكل فتى قاسى من الر ده فة اق يصير غربًيا وهو بين الأقارب
وكل غريب وهو ينسب للغنى تعود له كالأهل كل الأجانب
فا مالمال إلا في الملا زية ن الفتى وامالفقر إلا من ِّر أم
املقالات الأدبية
ثم التفت إلى أخيه وتبسم، وهو بنار الغيظ يتضرم، وقال: يا أخي، لا باعث للغضب،
على اللص والبحر والنار ذات اللهب، ولا داعي للاعتراض والإعراض، فإنَّه جل وعلا
َّ منزه عن الأغراض، وإن َّ املقدر في الأول لا يغري، ولا تبديل لقوله تعالى في القرآن الحكيم:
ِ﴾، فقال له أخوه وقد عبس وبسر، وغاب عنه صوابه وزاغ
َعِليم
َعِز ِيز الْ
ِد ُير الْ
ِل َك تَقْ
َ
ٰ﴿ذ
منه البصر: يا أخي، لا تسح بنا في الأقطار ولا تمرح بنا في الأقاليم والأمصار ولْ َّ نكف عن
السعي في طلب الأرزاق؛ حيث آل أمر ما اكتسبناه إلى السرق والغرق والاحتراق.
لد ق نلت أهوال الشد دائ كلها ومارست أحوال الخطوب الكوارب
وذقت حلاوات الزمان ومره وعلمني ِح ً كما دوام التجارب
دو للزمان ُ المحارب
و ر أشعت الأيام نحوي رماحا ه كأني عٌّ
ولم أر في أبناء آدم من له صفاء وداد خالص من وشائب
َّ ا من الأعمال التي ما فزنا منها بالنجاح، وتحول
ولا نباشر في املساء والصباح، شيئً
بنا عن السهل إلى هذا الجبل املرفوع؛ ليفترسنا الوحش أو نموت من الجوع، ونستريح
ِرَح يسخط على الزمان الخئون، ويُ ِّحسن
في هذه املرة، من املعيشة الكريهة املرة، ولا بَ
لأخيه شرب كأس املنون، حتى أطاعه وصعد معه على هذا املرتفع الشاهق، الذي رأسه
للسحاب ملاصق، فلما استويا على ظهره، وركض بأرجلهما في وعره، انتهيا فيه إلى
َ مغارة، في ساعة اشتدت بها الحرارة، وكانا قد أضرَّ بهما الظما، وكادا يكتحلان بمراود
َّ العمى، فمالا إلى املغارة املذكورة، التي تبدو لعني الر ُ ائي كأنها مقصورة، وحيث كان
وصولهما إليها من طريق اضطرمت فيها من القيظ نريان، سقطا على الأرض كاملوتى
تحت بعض الجدران، وأقاما على هذه الحال إلى وقت العصر، وكانت درجة الحرارة قد
ُّ انحطت وزال الحر، فارتكن أحدهما بظهره إلى جدار، فوقعت عليه منه قطعة جص لا
يحملها حمار، لكنه مرق من تحتها كالسهم، ولم يحصل له منها أدنى وهن ولا وهم،
ِّ والتفت بوجهه إلى هذا الجدار، وأمعن النظر فيه، وتأمل بالدقة في تركيبه ومبانيه، فإذا
هو من آثار بناء رصني، هو في الحقيقة عبارة عن دائر قبر كأنه حصن حصني، وقد
ُ اقتضت الحكمة الإلهية أنه قد انفتحت فيه طاقة م ً تسعة، فنظر فيها وكان أخوه راقدا
فنهض معه، فلم يُدركا آخرها ببصرهما الحديد، ولم يدركا به ما وراءها من الامتداد
َّ البعيد، وكان بيد أحدهما آلة، فعالج بها ه
املقالة الثالثة
الاتساع، مهندم الشكل جسيم الارتفاع، فانطلقا فيه كفرسي رهان، وعثرا في آخره على
ُ إيوان، فألفياه مزخرفًا بنقوش وكتابات، وصور ورموز وإشارات، ووجدا به جملة من
َّ الجواهر والأحجار، الثمينة الغالية الأسعار، واللآلئ البديعة، والدرر الرفيعة، والصور
ً الغريبة، والأواني العجيبة، والأموال الوافرة، والأسلحة الفاخرة، فسجدا شكرا هلل سبحانه
على هذه النعم الجزيلة، والهبات الربانية الجليلة، ثم توجها إلى أقرب مدينة من الجبل
ً املذكور، واكتريا بها دارا واسعة ذات سور، ونقلا إليها كنزهما في عدة أيام، من غري أن
يشعر بهما أحد من الأقوام، وأكثرا من الحشم، والجواري والخدم، وفتحا الأبواب للغادي
والرائح، والسائح من الناس والبارح، وانتجعتهم الشعراء من جميع الفدافد، بكل ما
َر َّق وراق من منتخبات القصائد، فغمرا منهم املاشي والراكب، ببحار العطاء واملواهب،
وأنفقا على الفقراء واملساكني وأبناء السبيل، وشيدا املساجد للعبادة واملارستان ملعالجة
املريض والعليل، وشاع ذكرهما في السخاء والبذل في الشدة والرخاء، واشتُهرا في جميع
الآفاق بالسماحة ومكارم الأخلاق، فانجذبت إليهما قلوب العباد، وأثنوا عليهما في كل
ُ ناد، وأقبل عليهما أكابر الدولة وأمراؤها بوجه بشوش، ولهجت بح ْسِن سريتهما الرعية
والجيوش، وتناشدوا مدائحهما في مجلس سيد الأقيال، سلطان عصرهما أبي الأشبال،
فأرسل رسوله في طلبهما؛ ليقف بنفسه على حقيقة نسبهما، فلما قدم بهما عليه، قبَّلا
الأرض بني يديه، وقال أكبرهما يمدحه بهذه الأبيات، بعد ما دعا له بطول البقاء وصفاء
الأوقات:
لئن رشفت أرض بمالك رقا ه فمملة ك الدنايبم ك تتش ُ رف
بقيت بقاء الر ده أمرك نافذ وسعيك مشكور وحكمك منصُف
وُم ِّكنت في حفظ البسية طمثلام تمن ك في أمصاررفعونويسُف
ومذ تبني له بعد أن تليا عليه ما لهما من القصص، وما تجرعاه في مدة حياتهما من
القصص؛ أنهما ممن حنَّكتهم التجاريب، وهذبتهم التداريب، وعرفوا أصول السياسة،
ِّ واستحقوا الانتظام في سمط أرباب الرياسة؛ بسط لهما بساط فضله وكرمه، ونظر إليهما
ُ بعني عنايته وح َّ سن شيمه، وقر َّ بهما من سدته، وجعلهما من ندمائه وعترته، واعتمد
ُ عليهما في تدبري مملكته املنيفة، ولا يزال يقلدهما وظيفة بعد وظيفة، حتى خلع على
َّ أكبرهما خلعة الوزارة، وألبس أصغرهما ح
املقالات الأدبية
الأمري بالصغرى، وتبََّدل عسرهما باليسر، وتضاعف منهما هلل الشكر، وعاشا معه في
سعة وأرغد عيش، رافلني في حلل الحرير بعد الخيش، هكذا كانت عاقبة هذين الأخوين،
اللذين نشآ يتيمني فقريين، وقد سعيا بقدميها إلى املنية، فكان لهما في هذا السعي بلوغ
الأمنية.
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: