قال الحسن بن أبي الحسن، املصري املوصوف بالخلق الحسن، ملا سئل عما رأى في غيبته
باليمن، وما شاهد في تلك الدمن: إني لشغفي بحب السياحة، وتولعي من عهد نشأتي
بامللاحة، قصدت في بعض أسفاري، مع الشيخ أبي إسحاق جاري، التوجه إلى مسقط
رأس الفقيه عمارة، الذي لقي بعد العاضد دماره، وما أغنى عنه فضله، ولا أدبه ونبله،
فلما نزلنا بساحة هذه البلاد، وجاورنا من فيها من العباد، ألفينا بها فتية من أنصار
العلوم، وأكابر الأحبار املتميزين بالفهوم، جنح إلينا من بينهم يعروف أريب، معروف
فيما بني أخدانه باللبيب، فمارسناه في جميع الأمور النافعة، فإذا هو في كل شيء منها
باقعة، وأعلامه فيها منشورة، ومساعيه في الخري مشكورة، وسماحته حاتمية، ونفسه
شريفة عصامية.
ً نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإق ا دام
وصيرته ملًكا همًاما
وبلاغته سحبانية، وشهامته شيبانية، وحكمته يمانية، وعقيدته إيمانية، وعدالته
عمرية، وهمته علوية، وهو جدير بما تمثل فيه بعض واصفيه:
املقالات الأدبية
والواقع أنه مستحق ملا به اتصف؛ لأنه في وطنه أعلم الخلف، وقد أقمنا معه من
ِ الأعوام أربعة، فأنستنا مكارمه الزائدة منن ابن زائدة، وتذكرنا بحلمه وذكائه، وفهمه
ودهائه، أحنف وإياس، وعبد الحميد وأبا فراس، وأخذنا عنه ما يملأ الوطاب، من كل
ُ معنى رقيق م ْستطاب، وملا حنت جوارحنا إلى الأوطان، وتاقت أنفسنا إلى الأهل والخلان،
طلبنا منه الإجازة، بعد الاستعداد لقطع املفازة، وعندما سمح لنا بالتحول عن هذه
ً البقاع، وسار معنا يوم ً ا كاملا للوداع، وقفنا وأقسمنا عليه، والدموع تنحدر من أعيننا
وعينيه، أن يرجع مصحوبًا بالصحة والنعم الشاملة، وأن لا يحرمنا في أثناء غيابنا عنه
ُ من املراسلة، ووعدناه أننا نعود بعد عامني إلى دياره، وأن لا نبرح بإرادتنا عن جواره،
إلا إذا أذن بالرحلة، إن كان في الأجل مهلة، وبعد أن سلك كل منهما طريقه، وتأسف كل
الأسف حني فارق رفيقه، تمادى الحسن وصاحبه على السري، مع القافلة إلى مكة املشرفة
َ بلا ضري، وكان وصولهما إليها في موسم الحج، فنالا بالوقوف على عرفة والعج، ما تقر
َّ به أعني املؤمنني، وتفرح به قصاد بيت رب العاملني، ثم توجها إلى زيارة الرسول، وبعد
َّ الفوز منه عليه الصلاة والسلام بالقبول، تحو َ لا عن هذه البقاع، ورِكبَا سفينة من سفن
َ الشراع، ووصلا بريح طيبة إلى مصر، في يوم خميس بعد صلاة العصر، هنالك أوملت
الولائم، واجتمع فيها القاعد من الأقارب والقائم، وتوالى وفود الأحباب للسلام، مدة ثلاث
ليال وثلاثة أيام.
وكان للشيخ أبي الحسن الأريب، صديق ماهر لبيب، وهو صاحب وجاهة شريف،
ذو همة عالية ومقام منيف، كان لا يفتر عن ملازمته طرفة عني، قبل أن ينعق بينهما
غراب البني، فلما حضر من غيبته، وازداد به سرور عترته، وسعى إلى زيارته جميع
الجريان، وجاء سائر خلانه من أبعد مكان، تخلف عنه ذلك الصديق النبيل، والرفيق
الذي هو نعم الخليل، فسأل عن هذا الوجيه، من أقاربه وذويه، فقيل له: إنه متوعك
املزاج، إلا أن بضاعة صحته أخذت في الرواج، فقال: الآن وجب السعي إليه، والإقبال في
هذا الوقت عليه.
ثم قام من منزله ومعه من جريانه جماعة، في يوم الاثنني بعد ثالث ساعة، واستوى
مع ثلاثة منهم في عربة، وأمر بسرعة السري؛ ليبلغ أربه، فطارت العربة بهم في سكة
معتدلة، بغاية ما يمكن من العجلة، حتى وصلت في هنيهة يسرية، إلى قصر في وسط
حديقة نضرية، فنزل على الباب، بمن معه من الأصحاب، وسأل الحاشية عن سيدهم
ُ املحترم، بيت الشرف والعلم والكرم، فقال له أحد الغلمان: إنَّه بعافية وهو جالس في
62
املقالة الثامنة
َّ الإيوان. قال الحسن: فلما أخذنا الإذن منه ودخلنا عليه، وتمثلنا على الفور بني يديه،
قام واثبًا على القدم، وكان كأنه الخلال من السقم، إلا أنه كان قد أخذ في النقاهة،
َّث ما عنده من ألم الفراق، ونبأ أنه كان
ً فقابلنا سريعا بالوجاهة، وسلَّم سلام املشتاق، وبَ
ُّ ة هذه الغيبة من السفَّ ار، ولو زال عنه ما كان اعتراه قبل
ُ يستنشق نسيم الأخبار، في مَّد
َّ التلاق، لسارع إلى املقابلة في جملة الرفاق، فعند ذلك ضمه إلى صدره، وقبله في عارضيه
ونحره، وبالغ في الثناء عليه، وفرح بتوجه الشفاء إليه، وقال متمثِّلا فيه، بما أبداه املتنبي
في سيف الدولة من معانيه:
المد جوعفي إذ وعفيت والكرم وزال عنك إلى أعدائك الألم
َّصحت بصحتك الأيام وابتهجت با هالمكارم وانهلت با ه ِّد اليَم
وراجع الشمس نور كان فارقها كأنا مفقده من جسما هسم ق
وامأخصك في برءٍ بتهنئة إذا سلمت فل ك الناسدقسلوا م
ِّ فلما فرغ من العناق، وانتعشت الأرواح بطي شقة الفراق، قال الشريف لأبي
ُ الحسن: أقسمت عليك يا معدن الفطن، إلا ما أقمت معي هنا بهذا البستان البديع، أنت
وعائلتك مدة فصل الربيع، حتى نتناول كئوس السمر، ونجتلي لذة املفاكهة في السهر،
َ فأنعم بلا امتناع وأجاب، واجتمعت الأحباب بالأحباب، ثم سأله عما سمع وما رأى في بلاد
ِّ الأجانب، وما شاهد فيها من العجائب، فقال: اعلم يا مليح الشمائل، ويا صحيح الرواية
َ في الفضائل، أني سِمْع ُت بأنَّ َّ ه كان يوجد في مدينة عدن، من جملة عجائب الزمن، شيخ
ِ من املعمرين، سنَّه لا تنقص عن مائة وخمسني من السنني، وكان له عشرة من البنني
ِّ والبنات، من خمس أمهات، كانوا يتكلمون بكل لسان، ويحفظون القرآن، وينظمون
الشعر، وينثرون الدر، ولهم في الآداب املؤلفات الفائقة، واملصنفات البديعة الرائقة، وكان
كبري هؤلاء العلماء الأعلام، من ذوي الجسارة والإقدام، ويُقال إنَّه خرج مع قافلة من
َّ بني سعد، في سفر إلى ناحية نجد، فتعرض لهم في الصحراء ليث هاصر، وأسد عظيم
الجثة خادر، فدنا منه بشدة باس، وقوة مراس، ولطمه على أنفه في موقف الخصام،
بُؤة وخمسة أشبال، فأحاطت به
لطمة هائلة جرعه بها كأس الحمام، وكان لهذا الليث لَ
من جهتي اليمني والشمال، ومن الخلف والأمام، فصدمها صدمة بطل همام، فقتل منها
َّ ثلاثة وهرب منه الرابع، واقتفى أثر أمه في
املقالات الأدبية
َّ الشكر والثنا، ونشروا بني يديه أعلام الهنا، وجمعوا له من الأموال عدة وافرة، فردها
ً إليهم قائلا لهم: إنما أبغي ثواب الآخرة.
وكان عمره إذا رأيته باليقني، ينوف على مائة وعشرين، وهو مع ذلك حاضر الذهن،
َّ سالم العقل والبنية من الوهن، إذا نطق أتى بإحسان حسان، وإذا كتب سابق يراعه
اللسان، لا يُسأل إلا ويحسن الجواب، ويقُول فيُصيب شاكلة الصواب، ولقد رأيتُه يسأله
سائل عن كثري من املسائل، وهو في جمع غزير، وجم غفري، فكان مما قاله في السؤال،
وأجاب الشيخ عنه في الحال: أيها املولى املشهور، كيف تجمع أسماء الشهور؟ فقال:
ِ خذها على الترتيب، ولا لوم ولا تثريب، تجمع على محرمات، وأصفار، وأرب ِ عة وأربعاء أو
شهور ربيع، وجماديات، وأرجاب وشعبانات، ورمضانات وشواويل أو شوالات، وذوات
القعدة وذوات الحجة، وقد ظهرت املحجة.
ُ قال: فكيف تجمع أسماء الأيام؟ فأجاب من غري تلعثم في الكلام: تجمع على سبوت
ِ أو أسب ُ تة، وآحاد وأثانني، وثلاثاوات، وأربعاوات، وأخمسة أو أخمس، وجمع أو جمعات.
فلما سردها سرد الأعداد، وأجاد كل الإجادة فيما أفاد، قبَّل السائل يديه، وقمنا نتعجب
لكثرة ما لديه، ولبث أبو الحسن في حديقة الشريف الرفيع، إلى أن انقضت أيام فصل
الربيع، ثم انتقل بعياله في شهر ذي القعدة، إلى منزله بخطة غيط العدة، واستمر بينهما
الوداد واملحبة، إلى أن قابل كلاهما ربَّه.
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: