اتفق لرجل مكني، من مدينة بكني، أنه ساح في الأمصار وطاف بمدينة الأنصار، فصادف
ً في الروضة النبوية، رجلا من فقراء البرية، تلوح عليه سيمة الأتقياء، مع أنه من الفجرة
الأشقياء، الذين لا يحفظون لأحد ذمة، ولا يرعون له حرمة.
شخص خبيث لو طلبت اسمه من أحد يوصف بالضِّن
بادر في الحال إلى كشفه وقال عفريت من الجِّن
ُ ففرح به بعد املَسامرة غاية الفرح، واتسع صدره ملرافقته وانشرح.
لا تعاشر كل من أبصرته ربما استأمنت جهلا من يخون
ولَكم غر َك سمٌت ظاهٌر تحه ت من قة ل العقل فنون
وبعد أن فاز بزيارة سيد الأنام، ونال من البركات النبوية فوق املرام، وتمثل في
مدحه عليه صلوات ذي الجلال، بعد لثم أعتاب
املقالات الأدبية
يناجيك عد ب من عبيدك نازح عن الدار والأوطان والأهل وو الد ل
ويسأل رقابمن حماك فد ج ه ل بقرب فقرب الدار خر ي من البد ع
ليلثم أعتابًا لمسجدك الذي هبالرو ةضالفيحاء نم جة نالخدل
ثم قفل من املدينة املنيفة، إلى مكة الطاهرة الشريفة.
فارقت طية ب مشتاقًا لطيبها وجئت مة كفي وجد وفي م أل
لن ك سررت بأني بد عرفقتها ما سرت من حرم إلا إلى حرم
وكان قد استأنس بهذا الشيطان، وغمره من بحر كرمه بالإحسان، ونشله من
أوحال الشقاء والامتهان، واتخذه صديقً ا له وقدمه على سواه من الإخوان.
ألا رب من تحنو عليه ولو ترى وطيه ت ساءتك تلك الضمر ائ
لا ولا تغترر به إذامل تطب مهنلك دي المخر اب
ٍّ
فلا تأمْ نن ِخ
َّفلما خرج من طيبة في يوم الخميس، تعلق بأذياله هذا الخسيس، فأخذه برفقته،
وحله من قيد الفقر وربقته، وكان هذا الرجل حافيًا، مكشوف الرأس عاريًا، فاكتسى
وانتعل، وامتطى متن جمل.
قالت أراك مع الأنذال تصحبهم ومن يصاحبم ه في عمره يهن
لا يصحب المرء إلا من ويافه ق متى رأيت الظبا والأدسفي رقن
أجبتا همظًر ها عذري ومنشا د
املقالة السابعة
فأضمر في نفسه الغدر لهذا السيد الجليل القدر.
أعدى عدوك أدنى من وثقت به فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواح ا ده من لا يعول في الدنايعلى رلج
َّ وعول على قتله؛ لأجل الاحتواء على ما في رحله.
لعمرك امالمعروف في غر ي أهله وفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عنده ومستودع ام عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الأيادي وشكرها إلى أهلها إلا كبعض المزارع
فمزرةع أجدت فضوعف زرعها ومزرعة أكدت على كل زارع
وكيف يثمر غرس املعروف، في أرض لئيم بالغدر موصوف!
ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي كما لاقى مجُر ي ِّ ام عر ام
د أع لا ه لا م استجارت ببيه ت أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
َرتْه بأنياب لها وأظافر
وأسمنا هحتى إذا ام تمكنت فَ
فل ق لذوي المعروف ذاه جزاء نم يجود بمعروف على غر ي شر اك
َّ فلما جن الليل، وصمم الخبيث على طرحه في حفائر الويل، تفرس فيه الخادم، أنه
على الشر عازم، فتدبر بعقله أنه ينبغي ملثله، أن لا يتركه يركض في مضمار جهله، بل
يُجاريه في ميدان جده وهزله، ويوهمه أنه موافق له على ما أراد؛ حتى يقف منه على
َّلم ُ ا عرف كنه ما نوى عليه، وجنح قلبه إليه، اختلى
حقيقة م
املقالات الأدبية
ثم أخذ حذره من هذا الوغد الزنيم، والعدو الأحمق اللئيم، وأظهر له أنه نام، فصبر
َّ حتى انسدلت أستار الظلام، وثار هذا املهني، ثورة أسد العرين، واستل بيده خنجره،
ِ وقصد من املنعم عليه الحنجرة، ودنا منه وكاد أن يطعنه، ولم يعلم أنه لم تأخذه سنة،
ً فوثب عليه وثبة الهاصر، وهو لسيفه من غمده شاهر، وهجم عليه وضربه به صفحا على
صدره، فسقط منه الخنجر وانقلب على ظهره، هنالك انقض عليه الخادم، قبل استوائه
َّ على قدميه، وربط بعمامته من ورائه يديه، وعول على إتلاف مهجته، قبل نهوضه من
وقعته، ونوى على أنه يعدمه الحياة، ولا ينتظر فيه أمر مولاه، ويعمل بضد ما قال
القائل، في هذا الخائن الجاهل:
إذا ما الظلوم استحسن الظلم مذهبًا ولَّج ع ٍّ توا في قبيح اكتسه اب
فِكه ل إلى صرف الزمان فإنَّه يُسبديهلاممل يكن في حسه اب
فكم قد رأيا ن ظ ً الما متم ً ردا يرى النم ج تًه يا تحت ظل ركه اب
ف َّ عما قليل وهو في غفلاته أناخت صروف الحادثات ببه اب
فأصبح لا مال ولا جاه ريتجى ولا حسنات سطرت في كته اب
وقابله الجبار منه بفعله وصب عليه الله سوط عذابه
ِ فنهاه سيده عما عليه عزم، وقال له: لا تعجل على هذا البرم — البرم بالتحريك
اللئيم — ثم التفت إلى هذا اللعني، وقال له: ما الباعث لك على هذه الخيانة وأنت أمني؟!
فقال مجيبًا له بلعثمة وتلجلج لسان: يا مولاي، ما حملني على هذا إلا وسوسة الشيطان،
وهو الذي أنساني ذكر ما أسديت من الحسنات، وكاد لولا رجا
املقالة السابعة
وج ومأمول
دقجاء عبدكايمولاي معتً ذرا وأنت للعو ف رم ٌّ
وبعد ذلك أرسل العبرات، وأنشد وهو مصعد الزفرات:
أسُ أت وملأحسن وجئك ت هاربًا وأين لعد ب من وماله ي مه ُ رب
يُؤمل غر فانًا فإن خاب ظن ٌ ه فما أحد منه على الأرض أخيب
َـُه في سؤاله، وأعطاه ما
َّما سمع ما جاء به من مقاله، أمر بإطلاقه ورثى لتذلـلّ
لَ
فَ
تيسر من النقود، وقال له: اذهب من حيث أتيت يا كنود (الكنود كافر النعمة) وإياك
َمة ولا حرة، واحمد مولاك على السلامة، واعمل من
َ
ْ بعد هذه املرة، أن تُضمر الغدر لابن أ
ً الآن فصاعدا إلى يوم القيامة، ثم أشار إلى غلامه فزوده بطعام، وقال له: انصرف عنا
بَّل يده ومضى، وفي قلبه من عدم نجاحه جمر الغضا، وملا غاب عن الأبصار،
بسلام؛ فقَ
وانفرد في البيداء عن العبيد والأحرار، حدثته نفسه الأمارة، بأن يشن على منقذه من
َ ذات ً اليمني وطورا ذات
الهلاك الغارة، وبينما هو يجول كاملجنون في القفار، ويميل تارةً
اليسار، إذا رأى على باب مضيق ثلاثة من قطاع الطريق.
إن ضاق بي بدل َّميمت لي بًدلا وإن نأى منزل بي كان لي بدل
وإن تغير لي عن وده رجل أصفى المودة لي نم بعده رلج
لم يقطع الله لي من صاحب أملا إلا تجدد لي من صاحب أمل
فدنا منهم بلا خوف ولا وجل، وقال لهم: اقتفوا أثري على عجل؛ لتحظوا باملال
الجزيل، بعد قتل رجل جليل، تركته في البيداء مع خادم جبان، وسبعة من الجمال وبغلة
ً وحصان. فطاروا إليه معه، طمعا في الاكتساب والسعة، وكان الليل قد أقبل بغياهبه،
والنهار تحول بكواكبه، عن تنوير مشارقه ومغاربه، وقد نزل السياح مع خادمه على
َّ رأس الدرب؛ للراحة من التعب وعبادة الرب، فقبل استراحته هجموا عليه، وزعموا أنهم
وصلوا إليه، فلم يأخذه منهم فزع، ولا خوف ولا جزع؛ لأنَّه كان فارس الأرض في طولها
ِّ والعرض، بل ثار عليهم ثورة الأسد، ووقف لهم كالسد ِّ في الطريق الأسد، فقرب منه
َّ الأول، وهو على قتله قد عول، فلاقاه بدون اكتراث و
املقالات الأدبية
كأبي الحارث (كنية السبع) وطعنه في إحدى عينيه بالعسال، فتركه عبرة للأمثال، وأراد
الخائن أن يلفت العنان، وينفلت من قبضة الهوان، فلم يدعه الخادم دون أن حمل عليه،
وقبض بيديه على إحدى رجليه، وأدركه مولاه، فألقاه على قفاه، وربط أطرافه بعمامته،
وتمكن منه الخادم فأفرط في صفعه وملامته، واستأذن سيده في جذ رأسه، واستئصال
شأفته وخلع أضراسه.
الشر مصراع له سطوة تستنزل الجبار من رعهش
وأنت إن لم ترج أو تتِق كَم اليْت محمول على نعه ش
لا تنبش الر ش فتبلى هب فقلا م تسلم من نبه ش
إذا طغى الكبش بلم ح الكلى أدرج رأس الكبش في كرشه
لله في قدرته خاتم تجري المقر ادي على نقه ش
فقال له: اصبر ولا تعجل، وعن منهج الحلم لا تتحول، ثم نظر إلى هذا الأسري، املهني
الغدار الحقري، نظرة غضب، وعبس في وجهه وقطب، وقال له: ويلك يا نسل الأوغاد،
وحثالة غري الأمجاد، كيف قابلت الحسنة بالسيئات، ونسيت ما فات؟! لأقتلنَّك شر قتلة،
ولأجعلنَّك لقطاع الطريق مثلة، ولأصلبنَّك بني الوهاد؛ ليعتبر بك الرائح والغاد.
فقال له: يا مولاي، ذنبي عظيم، وجرمي بلا شك جسيم، وإني بما فرط مني
مستحق لعدم الصفح عني، إلا أن طمعي في مكارم أخلاقك وحلمك، وثقتي برأفتك
وحزمك، حملاني على التمسك منك بأسباب الخلاص، مما ليس عنه محيص ولا مناص.
لا شيء أعظم من ذنبي ومن أملي لعفوك اليوم نع ذنبي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا عنديدقاجتمعا لأنت أعم ظ من ذنبي ومن أملي
َّ فباهلل يا حميد الأوصاف، ويا محيي سنة الأشراف، إلا ما عفوت في هذه الكرة، ع
املقالة السابعة
عن التعجيل عليه بالحتف، وقال: يا عدو نفسك، قد عفونا في هذه الدفعة عن جنايتك،
ُ وأغضينا عن خيانتك، فاذهب إلى حيث أردت من البلاد، وإياك والتعرض لضرر أحد
َ من العباد، ثم أمر بإطلاقه من وثاقه، وقال له: إن عدت إلى سوء فعلك، ورجعت إلى
خسة أصلك، محوت منك الأثر، وجعلتك عبرة ملن اعتبر، فقبَّل بني يديه التراب، وانساب
انسياب املاء من السحاب، وبعد انصرافه بنحو ساعة من النهار، امتطى السياح متن
الطريق في القفار، وواصل السري، بلا نصب ولا ضري، حتى إذا لم يبق بينه وبني مكة
َّم ُ ا نزل وضربت خيامه، وهيَّأ له
لَ
الشريفة، سوى مرحلة عزم على أخذ راحة خفيفة، فَ
َ الطعام َّ غلامه، مد بصره إلى جهة الأمام، فرأى خمسة من قطاع الطرق اللئام، وممن
وراءهم الخبيث، الذي سلف في حقه الحديث، فأفرغ على نفسه لامته، وأحضر له خادمه
ْوتر قوسه في الحال، وكان أرمى خلق الله بالنبال، فطلب القوم على الفور كأنه
َ
كنانته، وأ
ً عنترة أو أبو ثور، ورمى أول الخمسة في فؤاده، فهوى قتيلا من صهوة جواده، وألحق
بالثاني الثالث، وأصاب الرابع املسمى بالحارث، وهرب الخامس وهو من الحياة يائس،
وسمعه الخادم وهو يذم الزمان، ويبكي على فقد الإخوان، ويقول: ليت هذا املشئوم،
اللعني املذموم، ما التقى معنا في الفدفد، وساقنا إلى هذا الفارس الأوحد، وليتنا عصيناه
ولا أطعناه، وكنا عند مقابلته قتلناه، وأما الخائن الغدار، فبينما هو معول على الفرار، إذ
ِ انقض عليه الغلام، ورماه ببعض السهام، فأورده موارد الحمام، وصرم عمره وانقطع
الخصام، ووقف على مصرعه، فسمعه يقول من فمه، وهو مضرج على الثرى بدمه،
صرعني البغي الوخيم، وهوى بي في مهاوي العذاب الأليم؛ لأني عدلت عن قول القائل
من حكماء الأوائل: «الوفاء مليح، والعذر قبيح.»
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: