قرأت في صحف الأوائل، من أخبار بعض القبائل، حكاية عجيبة، ورواية في بابها غريبة،
غردت بها العناديل والبلابل، على أفنان بساتني مدينة بابل، وهي أنه كان بهذه املدينة،
ٌّ ذات الأسوار العالية الحصينة، لص حليف إنصاف، حميد أخلاق وأوصاف، كان إذا
ألجأته الضرورة إلى القوت، وتسلق على جدران بعض القصور والبيوت، لا يأخذ منه
ُ لغذاء العيال، سوى م ْؤنة ثلاث ليال؛ ليكون فيها منعم البال، لا يذوق مرارة السؤال،
فكان لسان حاله ينشد، إذا لامه لائم أو فنده مفند:
خبرت الناس قرنًا بعد قرن فلم أر غير ختال وقِال
ر أم من الس ِ ؤال
رطا فا مطٌم ع ُّ
وذقت مرارة الأشياء ٍّ
وقد اتفق ذات يوم أنه نفذ ما بيده، واحتاج إلى ما يسد الرمق في غده، فخرج من
داره في الصباح، راجيًا الحصول على الرزق املتاح، فصادف في طريقه شابٍّا ثيابه نظيفة،
معتدل القامة ذا روح خفيفة، فاقتفى منه الأثر، وتوهم أنه بلغ الوطر، ولا زال يسعى
خلفه ويرعاه، ولا يعلم أنه خاب مسعاه، حتى انتهى إلى باب جسيم، على سور مرتفع
عظيم، فعزم على أنه يختلس منه ما يكفيه مدة من الدهر، لا تنقص أيامها في الحساب
َّ عن شهر، فلما جن عليه الليل وسجى، واشتد ظلام الدجى، أخذ سلم التسليق، وركب
متن الطريق، وقصد هذا
املقالات الأدبية
من الخارج على حائط الدار، وصعد على أعلاه بدون انتظار، ثم أدار سلمه املذكور إلى
الداخل، وثبته وانحدر عليه إلى أسفل كالقضاء النازل، وملا استقرت على الأرض قدمه،
َّ ندم حيث لا ينفعه ندمه؛ لأنه مد بصره يمينه وشماله وأمامه، فرأى فضاء كفضاء تهامة،
َ ولم يجد به سوى قاعة صغرية، بل عشة من الأخشاب حقرية، فتوسطها على سبيل
ً الاستيعاب، فألقى بها على حبل أقمشة الشاب، وشاهده مضاجعا على التراب لعجوز، لا
يسوغ النظر إليها ولا يجوز.
نس
ُّ
وقائل قد قال ما سنها؟ فقلت: امفي فماه
فأطرق برأسه هنيهة وذهب، وفؤاده قد شب به حريق اللهب، وفي الحال صعد
على املعارج، وانقلب من الداخل إلى الخارج، وتعثر في أذياله، واكتفى من الغنيمة بخيبة
َّ آماله، وعلم أن صاحب املال، لا يتسربل في الغالب بسربال شعر.
دق يجع م المال غر ي آكله ويأكل المال غير من جمعه
وسارع بالخيبة إلى داره، فتوارى بها قبل تنفس صبح نهاره، ثم خرج منها قبل
ً الزوال، وآلى على أن لا يقتفي متقمش ِّ ا من الرجال، وبينما هو يمشي في أضيق زقاق،
ً إذ رأى شيخا التفت منه الساق بالساق، وهو خفَّ اشي العينني، محدودب الظهر عريض
الكتفني، له لحية طويلة قذرة، وجلابيب رثة محتقرة، وعلى رأسه عمامة بالية كبرية،
وبيده اليمنى عكازة قصرية، فتبعه على الأثر، ولم يزغ عن رؤية البصر، حتى دخل من
َّ فرجة باب منخفض العتبة، في دهليز كأنه لطوله واتساعه رجمة، هنالك خلى سبيله
وانصرف، وإلى خارج الأزقة عن املدينة انحرف، وصبر إلى النصف الأخري من الليل،
وانحط على منزل هذا الأحدب انحطاط السيل، وعلا على الجدران؛ حيث أعانه املقدور
ً والإمكان، وعطف على قاعة مزخرفة الصناعة، فصادف فيها سريرا من عمل الهنود، على
قبة من الحرير نادرة الوجود، فدنا منه وتأمل فيه، فعاين فيه فتاة جميلة مضاجعة
السفيه، وأبصر عند رأس هذا السرير الفريد، عشر مفاتيح صغرية من الحديد، فأخذها
ُ وانساب في الأروقة، كأنه النار املحرقة، فعثر في جهة اليسار، على رواق فيه عشر صناديق
ً كبار، ففتحها واحدا بعد واحد باملفاتيح، فأضاءت له النقود من داخلها كاملصابيح،
ً
املقالة السادسة
والهللولا الهلسبحه ان لقلت للفة ضسبحاناه
لو كان الفضة في جرة حركت الجرة آذانا ه
َّ ولكنه عدل عن طريق الإسراف، وقسم هذه الصناديق قسمة إنصاف، فنقل خمسة
منها إلى منزل الشاب الفقري، وحمل الفتاة وطرحها بجانب الحصري، وساق العجوز إلى
الشيخ الكبري، ووضعها بجواره في القبة على السرير.
فمل ُتك تصلح إلا ل ُ ه ولم يك يصلح إلا لها
ِ الهرم
َ واختص من الصناديق باثنني، وترك ثلاثة منها بلا مني، وكان من عادة هذا
مع الصبية، أنَّها تتعهده بالدلك حتى يستيقظ من نومته الهنية، فلما كان في صباح
ليلة ذهاب الكنوز، واستبدال هذه الصبية بالعجوز، انتبه الشيخ من كراه، والتفت إلى
وراه، فرأى جيفة في موضع الوليفة، فوكزها برجله في صدرها، وكزة هيأتها إلى قبرها،
وسحبها على وجهها وهو مذموم مدحور، وألقاها في حفرة مرحاض مهجور، ثم تفقد
ماله فوجد سبعة من الصناديق قد عدمت، فهوت أركان قواه وهدمت، وطار لُبه، وانخلع
قلبه، وبكى لذهاب الزوجة والعني، وسخط على الزمان ولعن غراب البني.
أف للدنيا إذا كانت كذا أنا منها في بلاء وأذى
ْ إن صفا عيش امرئ في صبحها جاءه بالأمس با مفه ي القذى
ولقد كنت إذا ام قيل َمن أنعم العالم عً يشا؟ قيل ذا
ثم حلق لحيته، وغري حليته، ودار في الأزقة؛ ليعثر على من فعل معه هذه الدقة،
َّوأما الشاب املتعفف، الذي كانت ثروته على يد اللص املنصف، فإنه كان يترك العجوز
َّ كأنها من نومها في رمس، فلا تنتبه إلا إذا أحرقتها حرارة الشمس، فلما كان في فجر تلك
الليلة السعيدة، استشعر بيد رخصة تباشر جسده بالدلك، فتوهم أنه في منام، ثم فتح
عينيه فزال عنه الشك، وقال لها: من أين أقبلت يا قرة العني؟ وهل أنت إنسية أم من
ً الأرواح الجنية؟ فقالت له وهي باسمة، وقد وثبت على قدميه
املقالات الأدبية
العمر؛ لأني وإن كنت على فراش من حرير، وحولي من الجواري جم غفري، إلا أني كنت
ْ في حبائل شيخ يدعي أنه ابن سبعني، وعهدي به أنه تجاوز التسعني، ثم التفتت ذات
اليسار، وقالت له: أبشر بالغنى واليسار، فهذه الصناديق الخمسة من مال ذلك املهني،
وإنها هي شطر ماله باليقني، ولقد نظر الله إليك بعني الرضا، وأنقذك من غائلة الفاقة
ْ بالقدر والقضا، فإن كان لك هذا السور، فشيِّد لنا من داخله أبهج القصور، واغرس
حوله ما تشاء من الزهور، ولا تخف صولة الفقر، فقد تيسر لك الأمر.
فلما سمع منها مقالها، وفهم سؤالها، بادر إلى البنَّاء والنجار فشيدا له القصر، في
مدة لا تزيد عن شهر، واشترى ما احتاج إليه من الأثاث، ما يكفي للخدمة من الذكور
والإناث، وعقد عقد النكاح، على شمس الصباح، وبنى بها في ليلة جمعة، بقاعة أوقد
بها ألف شمعة، ثم شمر عن ساعد الاجتهاد، في التجارة ففاز منها بما أراد، وكان
ُ رئيس ُ التجار في ذاك الوقت، قد رمي من املرض بسهام السقام واملقت، وارتحل من
ُ دار الفناء، إلى دار البقاء والهناء، فقلدوا الشاب املذكور بهذه الرياسة، ملا عهد فيه من
َّ حسن السياسة، وكان الشيخ قد عرف بالتجسس الشديد، والتفحص الأكيد، أن زوجته
وماله عند هذا الغريم لا محالة، فاستعدى عليه الحاكم، وقال له: أجرني من هذا الظالم.
َّفلم َّ ا بعث إليه الأعوان، وجاءوا به إلى الديوان، وهم بسؤاله، وطرحه في مهاوي أهواله،
وثب اللص وثبة الأسد الكاسر، وقال أنا غريم هذا الخاسر، فخلوا سبيل الشاب، وخذوا
مني الجواب، وقص على الحاكم القصة، وأزال عن التاجر الغصة، وسأل الشيخ عن
الشيخة، فأنكر وجحد، وقال: ما لي بها علم وحق الواحد الأحد، فكذبوه وهجموا عليه
في داره، بلا إذن منه ولا تراض، فألفَوا رمة العجوز في املرحاض، فأحاطوا به وقبضوا
ً ا ذليلا إلى ولي الأمر، بعدما ضبطوا
على أطواقه، ولم يتأخروا عن شد وثاقه، وقادوه حقريً
أمتعته بالغلبة والقهر، واعترف في حضرة القاضي بالقتل، فاستحق القصاص، وحكم
عليه باملوت الذي ليس عنه مناص، واستتاب الحاكم اللص املنصف، بعد أن ربط له
على الخزينة ما يقوم بكفاية املتعفف، وأنعم عليه بمنزل املقتول، وكانت هذه الحادثة
الغريبة سببًا في بلوغ املأمول.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مص
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: