كان لي جار من الكهول، يخلب بسماع أحاديثه العقول، فقال لي ذات يوم — وقد خلا
َّني، إنه يختلج في صدري منذ
َّ ناديه من الناس، ولم يكن معنا فيه أحد من الجلاس: يا بُ
ٌّ أربعني سنة سر ُ ما جرى ذكره في هذه املَّدة الطويلة على الألسنة، وها أنا عليك الآن أقصه،
ِ وكما رأيته بأسانيده أنصه، فأع ْر سمعك ملقالي، والْتقط منه نفيس اللآلي. إني دعيت
ُ بمجلس أنس إلى وليمة ع ً رس، فبادرت بالإجابة عملا بما رواه عن النبي الصحابة، فلما
ُ دخلت دار العروس عطفوا بي، قبل الجلوس، على الخوان؛ لتناول ما راج من الطعام، مع
فتية من الظرفاء وأبناء التجار العظام، ثم انتقلت مع هؤلاء الجماعة، بعد مضي برهة
لا تنقص عن ساعة، إلى مجلس سماع الألحان والأغاني املطربة الحسان، فلاحت مني
التفاتة ذات اليمني.
ً فرأيت رجلا ً منعزلا في ناحية عن الجالسني، وهو قصري القامة، دقيق الساقني، أشعث
ُ أغبر، م َشَّوه الخلقة، حالك السواد، قبيح املنظر، محدودب الظهر، مرتفع الصدر، فقلت
لخال الفتاة الذي دعاني إلى الوليمة: من أين تعرف هذا الرجل صاحب الخلقة الذميمة؟
َّ فقال لي وهو مبتسم: إن هذا العبوس هو صهري أبو العروس؛ فقلت: تبٍّا له! مالي أراه
ِّ ا في بحار الهم والترح! فقال: إنه ورث جميع ما فيه عن جده وأبيه،
وهو رب الفرح غارقً
ُ وإني سألت عن أطواره وأحواله أحد أقاربه وأمثاله، فأخبرني أنه ما دعي فأجاب، ولا
َّصدق على سائل بالنزر القليل،
تكلم في أي مادة فأصاب، ولا قرع بابَ ُ ه ابن سبيل، ولا تَ
وطاملا لهج أمام والده في املحافل، مع ما هو عليه من البُخل بقول القائل:
املقالات الأدبية
هبْ َك ً عمرت عمر عشرين نسرا أترى أنني أعيش وتبقى
ا
ٍّ
ولئن عشت بد ع ومتك ويما لأشقن جيب مالك شق
َ وهو وإن كان والد َربَّة الزفاف، وبعل أمها شقيقتي بلا خلاف، فإنه ما حضرها
في عقد نكاح، ولا قام لها بأداء واجب ولا مندوب ولا مباح، ولا سعى بدعوته إلى داره
ٍّ أحد لعدم وقوفه في شحه عند حد ُّ ، وما أظن أنَّ َّ ه بش في وجه صهره وهو ابن أخيه، الذي
ٍ في الاستحواذ على ماله من بعده، عقب حلوله عما
ما بنى بابنته لرغبته فيه، بل لطمع
ٍ قليل بلحده؛ لأنه عار َّ عن حلل املروة، مجرد عن حلية الإنسانية والفتوة، تارك للمفروض
واملسنون، متقلب في أودية السخف والجنون، مشغوف بالأباطيل، آخذ في الأضاليل، ما
انبعث شعاع عقله لشيء سوى العبث، ولا شيَّ ً ع هالكا إلى جدث، وهو حائر في أمره، نابذ
ملكارم الأخلاق وراء ظهره، وقيل إنه قصد الأقطار الحجازية للتجارة، في سنة من السنني
لا للحج والزيارة، وكان ذلك غب قدومه من العراق بكثري من الجمال والنياق، فقالت
له أمه: خذني معك إلى بيت الله الحرام؛ لأقضي فريضة الحج هذا العام، فأجابها إلى
سؤالها بشرط أن تكون نفقتها على نفسها من مالها، فلما توسطت الدرب في السري مع
الركب سقطت من تحتها الراحلة، وكادت تفوتها القافلة، فمشت على قدميها حتى كلَّت
وضعفت قواها واضمحلَّت، وولدها لا يلتفت إليها، ولا تأخذه رأفة بها ولا شفقة عليها،
َّ فقالت له، وقد وقفت من شدة التعب عن املسري، وامتد إليه طرفها فارتد وهو حسري:
َّ يا بني ٍ ، احملني على واحدة من هذه الدواب؛ لتفوز في غد بجزيل الثواب، ولا تتركني في
هذه الفدافد الشاسعة، والدروب والعقبات الوعرة غري الواسعة؛ فأموت بالظمأ والسغب،
أو أقع في قبضة أحد من العرب، أو تفترسني الوحوش الكواسر، وأنت على خلاصي من
هذه التهلكة قادر.
ً فقال وقد نسي ما لها عليه من الحقوق، مبارز َ ا لها بالعقوق: هيهات َ هيهات أن
يستوي على قتب، سوى من يبذل الفضة والذهب، فأنقديني خمسني من الدراهم، التي
ِ هي لجروح أمثالي كاملراهم؛ حتى أسمح لك براحلة سريعة الحركة، لا يلحق غبارها
ْ يك بن السلكة؛ فقالت له: يا بني، إني حملتك تسعة أشهر في بطني فلا تخيب فيك
ُسلَ
ِن
َوِالَديْ
َّ ظني، وتذك ْر قول الرحيم الرحمن في كتابه املنزل على سيِّ َ د ولد عدنان: ﴿وِبالْ
ً ا، فقال لها — ولم يزدد إلا
املقالة الأولى
ِ ونبوة: لا سبيل لك َّ بغري املنقوشة إلى بلوغ املرام، فاقطعي حبال الرجاء واذهبي عني
بسلام.
وكان بإزائهما من يسمع ما دار بينهما من املقال، فتًى قد توفَّرت فيه شروط
َّ السماحة والوجاهة والكمال، فقال لها: اركبي يا أماه على هذه الر ِ احلة، فأنت سمرية
والدتي في القافلة، ثم نظر إلى هذا املهني نظرة الغضب، وعبس في وجهه وقطب، وقال
بعد أن قرعه بالعصا، ورجمه بالحصا: يا قذى جفن الدين، وبلاء نفوس املهتدين، أما
َ علمت َّ أن الجنة تحت أقدام الأمهات، وبطاعة الوالدين يفوز الولد بأقصى الدرجات! لك
َّ الويل إن َّ الشقاوة غلبت عليك، وقادك العقوق إلى النار برجليك، ثم خلى سبيله وانصرف،
وهو على عدم قتله في غاية الأسف.
َّ وبالجملة فأخبار هذا السفيه املفند في مثل هذه الر ً ذائل لا تعد، ثم ضرب صفحا
ِ ِّ عن ذكره، بعد أن لعنه في علانيته وسره، ولا زلنا نخوض في حديث بعد حديث، ونحن
َّ ساخطون على هذا الر َّ جل الخبيث، حتى عول الحاضرون على الرواح، وكان أكثر الليل
ُ قد مضى ودنا الصباح، فانتصبت عند انفضاض الناس للوداع، وكان غريي قد فاز بلذة
ُ السماع، وقلت ُلغلامي: يا ابن شكلة، هيِّئ لي على الفور البغلة، فقال: إني تركتها في
الدار مع الجواد والحمار، هنالك انتهز صاحبي الفرصة، وقال: إنه لم يبق من الليل إلا
حصة، فاقبل مني النصيحة، واسترح في هذه القاعة الفسيحة، وكنت لطول السهر قد
اعتراني بعض فتور وخدر، فلم أخالفه فيما به أشار؛ لبعد املنزل واقتراب النهار، بل
أجبت بالطاعة، وتبعته إلى القاعة.
وبعد أن اضطجعت فيها على سرير، ودعني وعدل إلى بعض املقاصري، وإذ كنت
بني اليقظان والنَّائم في تلك القاعة الخالية من النَّ ُ سائم، إذ سمعت من بعيد صلصلة
ُعوذُ
َ
ْل أ
ْلو ُت وقد أعياني الأرق: ﴿قُ
َّ حديد؛ فطار عن جفني الوسن، واقشعر مني البدن، وتَ
ِق ً ﴾، وبينما أنا من الفزع في اضطراب إذ أبصرت معي شبحا من داخل الباب،
لَ
ِبَر ِّب الْفَ
ُ فتأملته وقد استولى على قلبي الرعب وخفق، وكدت أموت من شدة الفرق، فإذا هو رجل
طويل القامة، قصري اليدين، كبري الهامة، عاري الجسد، أصلع الرأس، يلوح عليه مع
ِمن الإنس أنت أم
َ
َّ شيخوخته أنه شديد البأس، فقو ُّ يت جأشي وثبت الجنان، وقلت له: أ
َّ من الجان؟! فصاح صيحة كأنها الرعد في خلال الغمام، وتنهد تنهد الواله املستهام، ثم
َ قال بعد هذه الضجة: قد م َّر بي عشرون حجة، ما طرق سمعي حديث بشر، ولا وقعت
عيني على أنثى ولا ذكر، فما هذه الأغاني والأصوات، والألحان املوسيقية املطربات، التي
9
املقالات الأدبية
ُ شنفت املسامع؟ وما هذه الشموع التي أضاءت بها جميع املواضع؟ فقلت ُمجيبًا له وقد
ْ سكن روعي، وتماسكت َّ بعض التماسك ضلوعي: إن رب هذه الدار أنكح ابن أخيه ابنته
َّ نوار؛ فصرخ صرخة هائلة وسقط على الأرض، وقد كاد بما حل به من التشنجات يختلط
َّوته، قال: اللهم اجعل هذه
َّما أفاق من غشيته، ورجع إليه بعض قُ
لَ
طوله في العرض، فَ
الوليدة برة بوالدتها سعيدة، ولا تجعلها كأبيها الشقي املحروم من رحمة الحي القيوم،
ُ فقلت ْ له: من أنت يا أبتاه؟! ومن أين أقبلت يرحمك الله؟! وما هذا الحديد الذي حملُه
أعياك، وأودى بك إلى هذه الحالة في دنياك؟! فجثا على ركبتيه، وبسط راحتيه، وقال بعد
تضرع وابتهال، وطلب الغفران من ذي الجلال: إني والد هذا الجبان الخائن، عدو نفسه
ُ املهان املائن، وإني أقبلت عليك من طبقة في الأرض تحت قدميك، طرحني فيها هذا
الوغد العنيد، بعد أن كبلني — كما ترى — بالحديد، ولعل الباعث له على ذلك — والله
أعلم بما هنالك — هو أنه زار في بعض الأيام ثلاثة إخوة من اللئام، وكان أبوهم هلك
ِر َّ كة جسيمة، وأموال عظيمة القيمة، فلما اقتسموها وهو إليهم ناظر، تكدر منه
عن تَ
على عدم موتى الخاطر، ودخل عليَّ ِ في بعض الليال، ومعه أربعة متنكرون من الرجال،
فوضع في رجلي هذا القيد الثقيل، وحبسني في هذه الطبقة عن الصاحب والخليل، وأشاع
أني شربت كأس املنون، وبكى واستبكى عليَّ العيون.
ز وأحداث الزمان تهون
تنر كني دهري وم ل يدر أنني أعُّ
ت أرهي الصر ب كيف يكون
ُّ
فبات يريني الخطب كيف اعتداؤه وب
ُ وقد لبثت في السجن عشرين من الأعوام، لا يزورني فيها من الناس شيخ ولا غلام،
ولا أتغذى في الليل والنهار، إلا بشربة ماء ورغيف من الكشكار، تدفعها إلي في كل صباح،
عجوز اسمها كفاح، ثم تغلق عليَّ ْ باب الطبقة، ولا تأخذها بي شفقة، وقد غفلت في يوم
هذه الوليمة عن الباب، فتركتْه وانسابت كأنها الحباب في الحباب، فلما خفقت الأصوات،
ُّ وانقطع حس الآلات، خرجت لاستنشاق النَّسيم، فاجتمعت بك في هذا الليل البهيم.
ٍ ه استعد للانصراف إلى حبسه وهو ساخط على يومه، راض ِّ عن أم ُ ه، فقلت
ثم إنَّ
ِّر َ ج عنك الكرب، ونجوت وزال عنك الخطب، وتخلصت من الطبقة
له: إلى أين وقد فُ
َ والتصفيد، وبلغت — بمنه تعالى — فوق ما تُريد؟ فقال ودمعه في انهمال، ونريان
ُ جواه في اشتعال: يا بني، جزيت عني خريًا، ولا لقيت من زمانك ضريًا، كيف السبيل إلى
الخلاص، ول
املقالة الأولى
َّ وأكشف الغطاء عن أفعاله القبيحة؟ وإن أجلي قد أخذ في الاقتراب، وشمس حياتي قد
ُ توارت بالحجاب، فقلت َّ له: لا تخش على ولدك من الفكاك العار، فإن ً لي التزاما بعيد
ُ ك إليه في غد؛ بحيث َ لا يشعر بك أحد، فقال لي: لا سبيل إلي ما جنحت إليه؛
َسِّريُ
ُ
املزار، أ
َّلأن ُ ذمتي لا تطاوعني عليه، فقلت ْ له: إن ُ أبيت إلا الإصرار على الإقامة في غيابة الج ِّب إلى
يوم القيامة، فأنا أسعى في خلاصك منه بالقوة القهرية، وأفضح ولدك بني البرية، فقال
لي: يا بُ ِ ني، سر على مهل ولا تعجل، فالجزاء من جنس العمل، وكما يدين الفتى يُدان،
َّ وإني مستحق لهذه العقوبة من قديم الز ُ مان؛ فإني قتلت والدي في ح ِّب املال، وجرعته
بيدي كأس الوبال، وهذه آثار دمه على الجدار تشهد عليَّ بأني رميته بسهام البوار.
َّم َّ ا عرفت حقيقة الخبر، ووقفت على جلية الأثر، تبني لي أن َّ الوالد أشقى من الولد، وأن
لَ
فَ
عذابه في الآخرة أشد، وكان الليل قد أدبر، والصبح قد أسفر، فانطلق وهو أبغض إليَّ من
قاتل ابن جبري، ولسان حالي يتمثل فيه بقول البهاء زهري:
بحق الهل متعني من ذاتك بالبد ع
فلا تصلح للهزل ولا تصلح للد ج
ُ فلا صبِّحت بالخير ولا ُمسيت بالسد ع
ُ فكان آخر عهدي بهذا الجار أول انقطاعي عن سماع مثل هذه الأخبار، فخرجت
ِم ْن َد ِار َ ه، ع ً ازم ً ا على عدم ازدياره، قائلا َّ في نفسي: 
Next
Article plus récent
Previous
This is the last post.
Axact

Axact

Vestibulum bibendum felis sit amet dolor auctor molestie. In dignissim eget nibh id dapibus. Fusce et suscipit orci. Aliquam sit amet urna lorem. Duis eu imperdiet nunc, non imperdiet libero.

Post A Comment:

0 comments: