TRENDING NOW



ركب أبو الفخار، سفينة بخار، وتوسط اللجة، وعرض للأهوال املهجة؛ حيث شغف
بامللاحة، في فصل لا يحمد املسافر رياحه، فلما جرت السفينة، وتوارت عن املدينة،
ُ خرجت عليها أهوية مختلفة، من جهات غري مؤتلفة، واندفعت عليها الأمواج، فحرفتها
عن الاستقامة إلى الاعوجاج، هنالك انزعج الراكب وامللاح، وانعجم اللسان عن الإفْصاح،
َّ واشتغل الكهل، بنفسه عن الأهل، وهطلت الأمطار، وزمجر الرعد في جميع الأقطار،
ِب َس َ ت الأمعاء في الجوف، واستولى على الرئيس الفرق، ملا أيقن
وتبدل الأمن بالخوف، ويَ
بالغرق، وبينما هو يُ َّ كابد من الحرية ما لا مزيد عليه، ويتعجب مما آل أمر سفينته إليه،
ً إذ سمع قائلا يقول، وهو من ذوي العقول: ليتهم يطوون الشراع املنشور، ويقطعون
الصاري الأخري املكسور، عسى أن يكون وراء هذا الخطب، فرج يَ ُزول به الكرب.
َّ وكان الر ُ ئيس منه غري بعيد، فانَْشرح صدره بهذا الرأي السديد، وأشار إليَّ بالإجراء
على عجل، فقوبل بالامتثال على مهل. وكان في ذلك النَّجاة من العواصف، التي يعجز عن
َّ وصفها الواصف؛ لأن السفينة كانت قريبة من ساحل جزيرة، فطرحتها الأمواج عليها في
برهة يسرية، وبمجرد وصولها إلى البر، سكن الريح وركد البحر، وملا غاب الليل بغيهبه،
وآب النهار بكوكبه، انتقل أبو الفخار صاحب الحسب والنسب، في حلبة من أخدانه أبناء
الأدب، إلى هذه الجزيرة، الواسعة الخصبة النضرية، وجال فيها حتى انتهى مع الجماعة،
إلى مدينة ملك جدير بالإطاعة، يُعرف بنور الدين العادل، املوصوف بقول القائل:
املقالات الأدبية
جع م الشجاعة والخشوعرلبه ما أحسن المحراب في المحراب
وكان هذا امللك عارفًا بالفقه على مذهب أبي حنيفة، عاكفً ا بكليته على ِ الجهاد
ُ ونصرة الخليفة، م ً تولع ُ ا بسماع الحديث، م ً عرض ُ ا عن كل شني وخبيث، مجتنبًا للإجحاف،
ُمقبلا على الإنصاف، منتهيًا عن املحرم من املشارب واملآكل، وامللابس التي يتبهرج بها
ً ا عند أوامر الشرع ونواهيه، آمرا بذلك رعيته وحاشيته وذويه، فلما تمثل
الجاهل، واقفً
ٍ القادمون بني يديه، وعرضوا بلا توان عليه، سألهم عن الحال، ومن أين الإقبال؟ فسارع
أبو الفخار إلى لثم راحته الشريفة، وترنم في مدحه بأشعار ابن القيسراني املنيفة:
لك الله إن حاربت فالنصر والفتح وإن شئت صً لحا ُعَّد نم زحكم الصلح
د وط ً ورا له صفح
وهل أنت إلا السيف في كل حة ال فط ً ورا له حٌّ
سقيت الردينيات حتى رددتا ه رتنح من سر ك فخل القانتصو ح
وما كان كف العز إلا إش ح ارة إلى الحزم لو لم يغضب السيف والرم
وقد علم الأعداء مذ بَّت جانا ح إلى السم ل امتنوي بذاك وامتنو ح
إذا ما ديار ملَّكتك عنانها تيقَّن من في غير اه أنه الذبُح
متى التف نع ق الجحفلن ي على ُه الدى فلا َم ْهه م يحوي الضلال ولا سفح
إذا سار نور الدين في الجيش غازاي فو قلوا لليل الإفك دق طلع الصبح
رتكت قلوب الشرك تشو ك رجاحا ه فلا زالت الشكوى ولا اندمل الجرح
صبرت فكان الصبر خير مغة ب فسيق إليك الملك يسعى هب النجح
كأن القا ن
املقالة الثالثة عشرة
وام الجود في الأملاك إلا تجارة فمن فه ات حد م الورى فه ات ر البح
ولم أختصر ام قلت إلا لأنني أعبر عما لا يقوم به الشرح
ثم قال بعد الإنشاد: إننا يا رفيع العماد، قد خرجنا على الجزيرة من البحر، بعد ما
يئسنا من النجاة وعدمنا الصبر؛ حيث هاجت علينا الرياح، من املساء إلى الصباح، وكادت
ِّ السفينة تغوص إلى القاع، لولا قطع الصاري وطي الشراع، وهذه هي حالنا ولا ندري ماذا
َّ يكون ارتحالنا، فأما الإقبال من مدينة مجهولة الاسم، بعيدة عن العمران منهوكة الجسم،
كانت في صدر الإسلام، منشورة الأعلام، وبتمادي الأيام، والشهور والأعوام، تغريت مبانيها
البديعة، وتهدمت معابدها وأبراجها املنيعة، وضاقت على العلماء ففارقوها، وفروا فرار
الورق من أقفاصها متى أطلقوها، فقال له: ماذا كان املراد من السفر، في فصل الرياح
َ العاصفة واملطر؟ وعلام َّعو َّ لت الآن، مع هؤلاء الأخدان؟ فقال: أما السفر فكان بصدد
بيت الله الحرام، وزيارة رسول الله سيد الأنام، ولولا اختلاف الرياح، لفزنا في هذا العام
َّ بالنجاح، وأما الذي عولت عليه، وركنت بعد التخلص من املهالك إليه، فهو التفويض
للحضرة امللوكية، التي فاض سحاب نوالها على البرية، فيما يستصوب لدى دولته العلية،
َّ وتتعلق به إرادته السنية. فقال امللك: أما أيام الحج، فقد تصرمت منها الحبال، ودخلت في
ُ حجاب الزوال، وكتب لك الثواب، ونجوت من العذاب، فإن أردت الإقامة، فلك ولأصحابك
الكرامة، وإن أبيت إلا الرحيل، إلى وطنك أيها النبيل، بعثنا بك إليه مع أول سفينة، تقوم
من هذه املدينة.
َّ فقال: أيها امللك املطاع املبجل، والخاقان الشجاع املفضل، أما أنا فلا براح لي عن
ُّ خدمة الر َّ كاب، وأم َّ ا أصحابي فإنهم يؤثرون على الإقامة الذهاب، فلما وعى منه ما به
َّ أجاب، قربه من سدته وقيده في سجل الحساب، وأرسل من كانوا معه من الإخوان، إلى
وطنهم بعدما غمرهم بالإحسان، وكان للملك عدة أولاد، كلهم من الشجعان الأمجاد،
فتمثلوا فيهم عند الوداع، بقول الشاعر الحسن الابتداع:
إذا وضعوا تيجانهم فضراغم وإن زنوعاهعنم ه فبدور
على أنم ه يوم النزال قساور ولكنم ه يوم النوال بحور
وبعد رحيل القوم،
املقالات الأدبية
ُربي من عهد نشأته على ظهور الجياد، وعرف بني كماة الفرسان بطويل النِّجاد، وهذا
فضلا عن سبقه في مضمار الأدب، وإحراز ما لا يتأتى لغريه إدراك شأوه فيه من الرتب.
فلما التقى الجمعان، وملعت الأسنَّةُ في الطعان، انحط على الغريم كالسيل، وطرح
َّ الأبطال من فوق متون الخيل، وفتك هذا الباسل الغريب، بكل فارس نجيب، وشوش
َّ الصفوف، وقطع الكفوف، وجدع الأُنوف، وأطاح القحوف، وفي أثناء ما كان يصول،
وعلى الأعداء يجول، وقع بزعيم الخوارج الغادر، فصاح به صيحة الأسد الخادر، وصدمه
صدمة هائلة، وطعنه في صدره طعنة واصلة، فلم تمنعها دروعه التي بها اعتصم، بل
أودت به إلى العدم، ثم جال على مصرعه وقال: هلموا إلى الحرب يا عصبة الضلال،
فانقض عليه من العصاة ألوف، وعطفوا عليه من كل مكان بالسيوف، وقبل أن تصل
إليه نجدة، وتُكشف عنه غمة الشدة، عقروا جواده، وملكوا قياده، وكان امللك فوق ربوة
َّ مشرفة على املعمعة، فلما شاهد بعينه في نزيله ما رو ِ عه، ع َيل منه الصبر، وسارع في
الحال إلى النصر، وأمر الجيش بالحملة، وكان أول حامل في الجملة، وأدرك هذا الفارس
الأوحد، وهو بالقيود والأغلال مصفد، فخلصه من الأخطار، وبلغه الأوطار، ولم يُعهد
عنه أنه فارق مخدومه في سفر، ولا فَ َتر عن ملازمته في حضر، وقد أثرى وازداد يساره،
وصفا عيشه وارتفع مناره، واستنهض إليه عائلته من بلده، وفرت عينه بأهله وولده،
َّ وفي هذا أدل دليل على شجاعته، وبسالته وبراعته، وأما سبقه في الآداب، وامتيازه على
كثري من ذوي الألباب، فهو أمر شهد به كل يعروف بالفضائل في عصره موصوف، ومن
ضمن ما نقل عنه من كتاب لبعض قرابته الأنجاب:
سيدي ما لي أراك عني في إعراض؟! وما لك عني غري راض؟! وما الباعث لك على
َّ الضن باملراسلة، التي قامت الأدلة على أنها نصف املواصلة؟! أظننت أن الثروة غريت
أخلاقي، وأخمدت مني لأحبابي نريان أشواقي؟! هيهات هيهات! أن أتزحزح في املودة
عن الثبات، أو أغفل عن التمثل بقول حاتم، الذي ضربت به الأمثال في السخاء واملكارم:
ً شربنا بكأس الفقر يوما وبالغنى واممنهما إلا سقا انهب ال ُر ده
فما ز ا ادنبي
املقالة الثالثة عشرة
معاذ الله أنسى الرفاق، وأتحول إلى الخلاف عن الوفاق، فكن جاريًا على العادة في
َّ كتب الوداد، وانشر بطريفها مطوي التلاد، متعني املولى بلقاك، ومن كل سوء وقاك، ولا
زال أبو الفخار الشهري، مقربًا من سدة مخدومه الخطري، حتى لقي ربه الكريم، وفاز
ُ برحمة الرحمن الرحيم، ونظم في سلك ذوي السيادة، وختم له بالسعادة.


قال لي أبو الحزم: انفرد أمري الجيوش أبو العزم، عن رجاله والجنود، عقب بروق ورعود؛
لانتهاز الفرص في الصيد والقنص، فلاحت له على بعد نعامة، كأنها لجسامتها وارتفاعها
َّ دعامة، فاقتفى أثرها بلاحق، لا يفوته في مجاله سابق، وجد في طلبها؛ ليسوقها إلى
َّ عطبها، وعندما دنا منها وهم بالقبض عليها، سبقه ليث هاصر إليها، وضربها بأظافر،
َّ كأنها الخناجر، فقد َّ ها نصفني، وشطرها شطرين، فلما رأى ذلك أمري الجيوش، صاحب
الوجه البشوش، عبس وبسر، وزاغ منه البصر، وجال على أبي الأشبال جولة الأبطال،
وهو يترنم بقصيد، للطائي أبي زبيد:
أفم اطول شهدت ببن ط َخبْ ٍت وقد لاقى الز هرب أخاك بشرا
ْ إذن لرأيت ليثا ر َ ام ليا ث هز ًبرا أغلاب يغشى هزبرا
تبهنس إذ تقاعس عهنمهري ُمحاذرة فقلُت عقرت مر ها
أنل ق َّ دمي ظهر الأرض إني وجدت الأرض أثبت منك ظهرا
وقلت له ودق أبدى نصالا محَّددة ووجًها مكفهًر
املقالات الأدبية
وقلبي مل ث قلبك لست أخشى مصاولة ولست أخاف ًر ذعا
وأنت تروم للأشبال قوتًا ومَّطلبي لبنت العم م ً هرا
ففم ي تروم مثلي أن يولِّي ويترك في يديك النفس ق ًر سا
نصحك ت فالتمسايليث غيري طعًاما إن لحمي كان ٍّمرا
فلا مظن أن الغش نصحي فخالفني كأني قلت ُه ر جا
مشى ومشيت نم أسدين را ام مر ً اما كان إذ طلباه وعرا
يكفف غيلة إحدى يديه ويبسط لو لثوب عَّ لي ر أخى
هزرتهل الحسام فخلت أني شقتهب لدى الظلماء فر جا
وجدت له بطائشة ر ا آه لمن كذبه ت ام نمَّه ت قدرا
بر ضةب فيل ص رتكه ت شًع فا وكان كأنه الجلمود وترا
فخر مضر ًجا بدم كأني هدمت به بناء ُم ْش َم ِخرا
وقلت له يعز علَّي أني قتلُت مناسبي جًد لا وق ًر ها
ولكن رمت شئ يًا لم يرهم سواك فمل أطقايليث صًر با
تُحاول أن تعلمني ف ً رارا لعر م أبي لد ق حاولَت ن ًر كا
ٍّحرا يحاذر أن يُعاب ُفم َّت حرا
فلا تبد ع فقد لاقيت
وملا عاين أسد العرين، استعداد هذا القرين، حمل عليه وكشر، وصاح وزمجر،
فأجابه بصوت يصدع الصخور، ويقلع الرصني من القصور، وضربه بالسيف في جبهته،
فشقه إلى صرته، وأنشد بعد انجلاء الغبار، وهو على مصرعه في القفار:
املقالة الثانية عشرة
صهوة جواده بلا مهل، واخترط حسامه من غمده على عجل، وانحط على اللبؤة القاتلة،
ُّ فضربها ضربة هائلة، أطاح رأسها عن البدن، وأخلى منها الر ِّ بوع والدمن، وسطا على
أحد الأشبال واقتلعه من الأرض، ورمى به آخر فاختلط طولهما في العرض، وأطاح
بسيفه القاطع، رأسي الثالث والرابع، ثم جرى على قدميه حتى أدرك ابن النعامة، وتناول
بيده اليسرى زمامه، وقصد الأجم وهو يترنم بأوزان، مأثورة عن أبي الطمحان:
وإني من القوم الذين ُهو م ُهمو إذا غاب منم ه سٌد ي ناب صاحه ب
نجوم سماء كلا مغاب كوكب بدا كوكب تأوي إله ي كواكه ب
أضاءت لم ه أحسابهم وووجهه َّ م دجى الليل حتى نظ ه م الجزع ثاقب
َّلما انتهى إليها، وأشرف عليها، دخلها والجواد من خلفه؛ لأنه كان بمنزلة أنيسه
فَ
وإلفه، ثم خلع عنه سرجه واللجام، وبلغه من املاء واملرعى املرام، وأوى إلى شجرة وارفة
ُ الظلال، واضطجع تحتها من التعب على الرمال، وكان الليل قد أقبل بسواده الحالك،
وعاق جيوشه عن استكشاف ما سلكه من املسالك، فرجعوا بالخيبة إلى الخيام، وأبوا أن
ُ لا بقول مسلم بن
ِمثِّ
يمتعوا أجفانهم بما يتمتع به النيام، وقال نائبه، كأنَّه يُ ُ خاطبه، متَ
الوليد، في ممدوحه الأمري يزيد:
ينال بر الفق امتعاير الجال هب كالموت مستعً جلا يأتي على مِل ه
يكو س السو ي َف دماءَ الناكثن ي به ويجل ع الهام تيجان القانال ِل ذب
حذار من د أس رضغة ام بطل لا يُوغ ل السيف إلا مهة ج الب ِل ط
ومٍف على ُمج ه في يوم ذي َرجه كأنَّه أجل يسعى إلى أمِل
دق َّوعد الطر ي عادات وثقن با ه فهن يتبعه ن في كل رمت ِ حل
تراه في الأنم في درع مضاعفة لا يأمن الدهر أن يُ ِل دعى على عج
املقالات الأدبية
وأحاطوا به على الخصوص، وأوثقوه بالكتاف، وكادوا يطرحونه في مهاوي التلاف، وكان
ُ قد استشعر بهذا الأمر امل َّ نكر وهم بالوثبة عليهم بالسلاح، فلم يجد له سبيلا إلى الكفاح؛
َمته وعدته، وقال له كبريهم:
َ لأنهم مالوا عليه قبل أن يثور من رقدته، واستحوذوا على لأْ
أيها الرجل املغرور، ما ساقك إلى هذا املكان غري املعمور، إلا أمر يفضي بنفسك، إلى
هلاكك وحلولك برمسك، فقلت له وقد أظهرت البشاشة بعد العبوس: كيف تقتلون من
زالت عنه بسعودكم النحوس؟! على أني أعلم أنكم لو وقفتم على حقيقتي، وعرفتم ما
أنا عليه لسلكتم طريقتي، ولاتخذتموني لكم من الأصحاب، ولآثرتموني بالود على جميع
الأحباب، فقالوا له: وما هي حقيقتك يا نظيف الثياب؟ وما هي طريقتك التي اتباعها
ُ عني الصواب؟ فقال: أما حقيقتي فإني لص محتال، صاحب إقدام على الأهوال، وأما
طريقتي فهي اختلاس الأرواح والأموال، ونهب أثاث القصور في غالب الأحوال، وعندي
سر لو عرفتموه لانتفعتم به في كل ملمة، ولنجوتم به من الغوائل في كل ليلة مدلهمة؛
ٌّ
فقالوا له: وما هذا السر أيها الساحر؟ وهل تعلمته من الأوائل أو من الأواخر؟
فقال لهم: إنَّه لا يسوغ لإنسان، أن يتفوه به وهو في حالة الذل والامتهان، فإن
أردتم الفوز بمعرفته، والوقوف على كنه صفته، فأطلقوا مني السراح، وردوا علي الجواد
والسلاح، ثم اسمعوا مني، ما تتلونه في الشدة عني، وكانوا من غري الأشراف، الذين هم
سكان الأطراف، وكانوا لا يميزون بني الحق والباطل، ولا يفرقون بني الصحيح والعاطل،
َّ ولا يتوهمون أن ً أحد ِّ ا من الرجال، يخدع عند الضرورة بزخارف املحال، فصدقوني فيما
وا عليَّ بالإطلاق من الوثاق، وتقدم أحدهم إليَّ وناولني سيفي
أتيتهم به من الاختلاق، ومنُّ
الصقيل، وقرب مني الجواد الأدهم الأصيل، فركبته وخرجت من الغابة، بوقار وسكينة
ً ومهابة، وتبعوني طمعا في معرفة السر، الذي هو على حسب وهمهم ضرب من السحر،
ُ وهنالك امتشقت ُ الحسام، وقلت لهم: ارجعوا من حيث أتيتم يا بني اللئام، فهذه حيلة
ابتدعتها، وخديعة اخترعتها؛ لأتخلص بها من ورطة الارتباك، وأنجو من حبائل الهلاك،
ِّ والآن ليس لكم عندي سوى قطع الر ْ قاب، وترك جيفكم لغذاء الوحوش والكلاب، فإن
أردتم لأنفسكم السلامة، فاذهبوا قبل أن تحل بكم النَّدامة، وإلا فابرزوا جملة واحدة،
َّما تحققوا مقالي، وعرفوا سؤالي، حملوا عليَّ
لَ
حتى أهدم من أجسامكم الأساس والقاعدة؛ فَ
َّ بالسيوف، وعولوا علي تجريعي كأس الحتوف، فصدمتهم صدمة تهد راسيات الجبال،
وقتلت منهم في أقل من ملح البصر ثلاثة رجال، وكان النائب قد نشر البنود، ونادى
َّ بالرحيل في الجنود؛ لعله يقص الأثر، أو يقع على خبر، فلما انتصف النهار، نزل للراحة
86
املقالة الثانية عشرة
في القفار، وأرسل الجواسيس والعيون؛ ليكشفوا الطرق واملناهل والعيون، فغابوا ساعة
من الزمان، ثم عادوا وأنا معهم على ظهر الحصان، متمثلا في الأول بقول السموأل:
إذا المرءمل يدنس نم اللؤم رع هض فكل رداء يرتديه جميُل
وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها فليس إلى حسن الثناء سبيُل
تعيِّرنا أنا قليل عديدنا فقلت لها إن الكرام قليُل
وام قَّل من كانت بقاياه مثلان شباب تسامى للعلا وكهو ُل
و ام ضران أنَّا قليٌل وجاران عزيز وجار الأكثرين ذليُل
لا ن جبل يحتله من نجيره منيع يرد الطرف وهو كليُل
ر اسأصه ل تحت الثرى وسا مهب إلى النجم فرع للوفاء طويُل
و ا إن أناس لا نرى القتل سبة إذا ما رأته عامر وسلُ ول
يقرب حب الموت آجالا ن لنا وتكرهه آجالهم فتط ُ ول
وام مات ما ن سيد حتف أنفه ولا طل ما ن حيث كان قتيُل
تسيل على دح الظبات نو فسنا وليست على غر ي الظبات تسُ يل
د بخيُل
ونحن كماء ُم الزن امفي نصابان كهام ولا فينا يُعُّ
وننكر إن شئانعلى الناس وقلهم ولا ينكرون القول حين نق ُ ول
إذا سيد منا خلا قام سيد قئول با م قال الكرام فع ُ ول
وام خمدت نار لنا دون طارق ولا ذما ن في النازلين 


قال شبل بن ليث، املكنى بأبي غيث: تاقت نفسي إلى جوب الفدافد، واشتاقت إلى رؤية
ُ الهياكل واملعابد، فخرجت على حالة الانفراد، شاكي السلاح على متن الجواد، وتماديت
ُ على قطع الفيافي، والترنم ببديع القوافي، مَّدة شهور، وأيام وكسور، ولا زلت أنتقل من بلد
إلى بلد، ولا أعرج في الرواح والغدو على أحد، حتى انتهيت إلى مدينة، كبرية آهلة حصينة،
فأودعت الحصان، عند صاحب خان، ثم سعيت إلى املسجد الجامع، املعروف بضريح ابن
شافع، وأديت فيه بالقصر صلاة العصر، وبينما أنا أطوف فيه، وأمعن النظر في نواحيه،
بْس، حلقة درس، في وسطها شيخ كأنه من بني حام، وهو حسن القيافة
إذ رأيت بلا لَ
ْج ُم
َ معتدل القوام، وسمعته يلقي على الطلبة بأفصح لسان، تفسري قوله تعالى: ﴿والنَّ
ِ ان﴾ هنالك جلست في هذه الحلقة؛ لالتقاط بعض الفوائد، واجتناء ما
َو َّ الش َجُر يَ ْس ُجَد
يتأتى في العثور عليه من الفرائد، فمما حفظته عنه وفهمته منه، في تفسري هذه الآية
ً الشريفة، بعبارة سهلة لطيفة، أنه قال موضحا ما في الآية من الأقوال: أخرج ابن الأنباري
في الوقف والابتداء، عن حبر الأمة ونجم الاهتداء، ابن عباس العالم بدقائق القرآن، أنه
ِ ان﴾ قال: «النجم» معناه ما أنجمت
ْج ُم َو َّ الش َجُر يَ ْس ُجَد
َ ملا سأله نافع عن تفسري ﴿والنَّ
الأرض.
املقالات الأدبية
وأنبتت مما لا يقوم على ساق، من قولهم: نجم ينجم بالضم في الاشتقاق. «والشجر»
ً معناه ما أنبتته وقام على ساقه، وظهر للعيان، وأنشد مستدلا على ذلك بقول صفوان:
لقد أنجم القاع الكبير عضاهه وقربه حا ي تميم ووائُل
وأتبع هذا البيت ببيت زهري بن أبي سلمى، الذي تُنسب إليه الفصاحة وتنمى:
مكل ل بأصول النم ج تنسج ُ ه ريح الجنوب كضاح ما به حبُك
وهكذا يؤخذ من الدر املنثور للسيوطي في التفسري باملأثور، وورد في تفسري الإمام
َّ الفاضل، العلامة الدلجي ابن عادل، أن النجم هو نجم السماء املعلوم، وسجوده هو
الأفول املفهوم، والشجر هو شجر الأرض املعهود، وسجوده هو إمكان اجتناء ثماره التي
هي غاية املقصود.
والنَّجم في تفسري املصري الهمام، هو ما لا ساق له ولا قوام، والشجر املذكور في
َ املساق، هو ما له ساق، وسجود الاثنني، هو عنده سجود ظلالهما بلا مني.
وقيل: النجم هو الذي لا ساق له من النبات. والشجر هو الذي له ساق، ولبعضه ثمر
ً يقتات، وسجودهما هو الانقياد هلل رب العاملني فيما يريدهما طبعا، كانقياد الساجد من
ً املكلفني طوع ُ ا، أو أنهما يسجدان ملبِْد ُ ئهما ومبِْدعهما، سجود دلالة على إثبات صانعهما.
وحكى ابن كثري في تفسري هذه الآية، خلافًا تتحقق بمضمونه الدراية، فقال: قال
ْج ُم﴾، بعد
َ ابن جرير، العالم النحرير الشهري: اختلف املفسرون في قوله تعالى: ﴿والنَّ
َّ اتفاقهم على أن ُ املراد من الشجر ما قام على ساقه بلا وهم، فروي عن ابن عباس وسعيد
ُّ بن جبري، والسِّد َّ ي وسفيان الثوري لا غري؛ أن النجم عند هؤلاء الثقات: ما انبسط على
وجه الأرض من النبات، وقال مجاهد والحسن، وقتادة عالم الزمن: النجم هو الذي في
السماء الأنور، وهذا القول هو الأظهر، فالنجم في عالم السماء، والشجر في مقام النماء؛
َده بمقدار، قال الله — تعالى — في كتابه املكنون،
َ يسجدان هلل الواحد القهار، وكل شي ِءٍ عنْ
ْر ِض
ُه َم ِن في َّ السَم َ او ِ ات َوَم ِن في ْالأَ
َّن اللهَ يَ ْس ُجُد لَ
َ
َر أ
ْم تَ
لَ
َ
املنزه عن الشك والالتباس: ﴿أ
ِ اس﴾.
ُّ اب َو َكِثريٌ ِّم َن النَّ
ِجبَ ُ ال َو
املقالة الحادية عشرة
َّ وجاء في تفسري النسفي: أن النَّجم هو النبت ليس له ساق كالذي عليه الجسم
ارتفع، وهو كما قيل مأخوذ من نجم إذا طلع، والشجر هو ما له ساق يُشاهد بالأبصار،
وهو مشتق من مادة الاشتجار، الذي هو تداخل بعض الأشجار في بعض، ومناسبة
طولها للعرض، ويسجدان أي هلل يخضعان، ويشهدان على أنفسهما أنهما له سبحانه
مسخران، وأنهما يدلان على وحدانيته، ويعترفان بربوبيته، ولو أتينا على جميع ما ذكره
َّ املفسرون من الأقوال، وما دونوه في كتبهم مما طرأ على هذه الآية من اختلاف الأحوال،
لخرجنا عن املوضوع الذي عليه املعول وإليه الرجوع، فلما ختم الدرس، عند غروب
الشمس، أقبل عليَّ بطلاقة، بعدما شد نطاقه، وقال لي: لعلك أيها الأديب، في هذه الأوطان
غريب، فقلت له: إي وأبيك يا علامة، إني من جبال تهامة. فقال لي: أنت ضيفي ما دمت
في هذه البلاد، ولك عليَّ املنة يا سليل قوم أمجاد، فأجبته إلى ما طلب، وكان ذلك في أول
رجب، وتوجهت معه إلى دار وسيعة، ذات حديقة نضرية بديعة، فعطف بي على قاعة
ُمزخرفة بأنواع النقش، مفروش بأحسن فرش، ثم أجلسني على الفور في الصدر، وقال
لي: أنت في هذه الدار لك النهي والأمر.
مسكانهذا لمن حله نحن سواء فيه والطارق
فن م أتا انفهيفليحتم ك فه إن في حكه م صادق
لا يد جالفة اقمن زاران رفبانالمانع والرازق
وبعد ساعة من الجلوس، حضرت مائدة عليها أطعمة تميل إليها النفوس، وفي أثناء
الطعام، كان يُ َحيِّيني بما فوق املرام، ويقول: يا أثيل املجد، ويا أصيل الأب والجد، لقد
سرني منك ما أوليتني به من الإجابة، وحققت فيك ما هجس بخاطري من الإصابة،
وكيف لا تكون عليَّ لك املنة العظيمة، وقد سعيت معي بذاتك الكريمة، ولم تحتقرني
لسوادي، مع عدم وقوفك على حقيقة طارفي وتلادي؟!
ُ ي، ومن أنا عبده ولا أبتغي منه عتقي، أنت صاحب
فقلت له: يا مولاي ومالك رقِّ
ِاملنَّة والفَ ْضل، ولا ريب في أنك كريم الأصل، وإني على يقني أنَّك إن لم تكن من أبناء
الأمراء، والصدور الفخام والوزراء، فأنت املقصود بني ال
املقالات الأدبية
ُ قل عن الخليفة املأمون الخطري، مخاطبًا لإبراهيم بن
وايم الله إنك لجدير، بما نُ
َّ املهدي عقب ضبطه في حال الخروج عليه، وتأمينه حني شق َ العصا ودَعا بالخلافة إليه،
ِبل أعذاره منه، وشرع في مداعبته، بقوله له أنت الخليفة الأسود،
وكان قد عفا عنه وقَ
وأمري املؤمنني الهمام الأمجد، لكنه ملا تفطن أنه خامر قلبه من هذه املداعبة الفزع،
واستولى عليه الرعب والجزع، قال في الحال تسكينًا، ملا نزل به وتأمينًا:
ِ ولا بالفتى الأديب الأريب
ْـ ليس يزري السواد بالرجل الشه ـم
إن يكن للسواد فيك نصيب فبياض الأخلاق منك نصيبي
هنالك قام الشيخ واقفً ا، وقال بعد ثنائي عليه واصفا: أنت والله يا بديع الشمائل،
َماء الإسلام، وبحر املعارف
على الحقيقة معدن الفضائل، وأنت علم الأعلام، وسيِّ ُ د علَ
املتلاطمة بالذكاء أمواجه، وبر العوارف التي بهرت بالسخاء أفراده وأزواجه، وطود
َّ العلوم الراسخ، وفضاؤها الذي لا تُحصى له فراسخ، وجواد الفهوم الذي لا يتأتى لحاقه،
ِ ضرب إليها أكباد الإبل، والقبلة
َ وبدر س ِمائها الذي لا يُدركه محاقه، وأنت الرحلة التي تُ
ْشر ُ ، وم َجِّدد الدين على
ُ التي يصلي إليها كل م ِ ؤمن وعندها إلى الله يبتهل، وأنت علامة الب
رأس القرن الثاني عشر، ولعلك أنت الذي انتهت إليك في الدنيا رياسة املذهب وامللة،
ْ وبك قامت قواطع البراهني والأدلة، وجمعت بني الفنون فانعقد عليك الإجماع، وتفرد َت
َّلا ولك فيه القدح املعلى، واملورد
ٍّ بصنوف الفضل فسحرت النواظر والأسماع، فما من فن إِ
ُ العذب امل َحَّلى ً ، إن قلت لم تدع قولا لقائل، أو طلت لم يأت غريك بطائل، وما مثلك مع من
تقدمك من الأفاضل والأعيان، إلا كالأمة املحمدية املتأخرة عن امللل والأديان؛ فإنها وإن
ً جاءت آخر ً ا، إلا أنها فاقت مفاخرا، فقلت له: يا من ليس لك في عصرك شريك، وصفتني
بجميع ما هو فيك، لا سيما وأنك ما حققت لي معرفة، ولا وقفت لي على كنه صفة، ولا
َسَبرتني في معارف، ولا اختبرتني في تليد من العلوم ولا طارف، فقال لي وهو باسم
الثغر، ضاحك منشرح الصدر: إني بمجرد نطقك أخذتك بالفراسة، وثبت عندي أنك أهل
للرياسة، وإني على ثقة من تقدمك على بني العصر، في النظم الفائق ورائق النثر.
فقلت: إن أردت أن تسمع مني ما حفظته من نظم السيد عبد الله الوزير، الذي لم
يكن له في زمانه من أخدانه نظري، فهاك
املقالة الحادية عشرة
حتَام تعذل في الهوى وتل ُ وم وإلاَم تطلب سلوتي وت ُ روم
أنظن أسلو من حديث غرامه يُتلى على العشاق وهو قديُم
وا أنالذي في الحب يعقوب بما لاقيت قاسي الُح ْزن وهو كظُم ي
وبمهجتي من قَده غصن غدا قلبي يصفق حوله ويح ُ وم
قد دب عقرب صه دغ حتى التوى من فوق ذاك الخد وهو سليُم
ولهان يلعب بالعقول وإن مشى لعبت بغصن الد ق مه ن نسيُم
ويلاه من قد به عدل وفي َش ْرع الهوى هو جائر وظل ُ وم
ام جنة الفردوس إلا وجهه للعين فيه نضرة ونعيُم
ملك لساحر طرفه خدم ولا عجب فذاك الساحر المخدو ُم
أسفى على باهي المحايِهمت في أوصافه واعتادني التوهيُم
ولا ن علَّي الذات أعظم حجة خط العذار لأنه مرسوم
َما انتم ظ اللا ق عرض العذول يميله ويلوم
املي وبختي ُكلَّ
أفنيت َدهري أرصد الأفلاك في الـل ـقيا وهل تدري هواي نجوم
والبخت إن يصدق ظفرت بوصل من أهوى ويكذب عنده التنجيم
ولربا م فلك القضاء يدور بالـ إسعاد لي بالوصل ثم يدوم
ويدور لي من كف من أحببه ت كاس بمسك ر ًضا به مختوم

املقالات الأدبية
حبذا في حلاك لام عذار وهي للحب آلة التوكيد
كل يوم تروع قبً لا خلً يعا ايبع دي الحلى بحسن جد دي
فقال لي: أنت في زمانك أروى من حماد، ودونك في البلاغة عبد الرحيم الفاضل وابن
ُ العماد، وأنت املشار إليه بالبنان، بني أبناء هذا الزمان.
فقلت له بأبي وأمي أفديك يا همام إذ أنت في عصرك نعم الإمام
وأنت أحق وأولى بما يقوله فيك، أوحد النبلاء من واصفيك:
يا سراج التقى وبدر المعالي ُد ْم منً يرا وهاديًا للعباد
فقال لي: أيها الأديب النبيه، والأريب الكامل الوجيه، أنت أولى باملدح والثنا، والكرامة
والغنى.
فقلت له: يا سيدي، إني مقصر عن القيام بما يجب من الشكر الجزيل، بني البرية
ملقامك السامي الجليل، وإني لأرجو أن تأذن لي بالرحيل، إلى حج بيت الله وزيارة الخليل،
َّ والسعي إلى ضريح أفضل الأنام، والفوز من لثم أعتابه الرفيعة باملرام.
فقال لي: لولا أنَّها فريضة ملا كنت أجيبك إلى ما تروم، ولا تركت الفراق يرمي من
ُ شهبه برجوم، لكن انتظر هلال شعبان، حتى تخرج مع قافلة العربان، املتأهبة للسفر
إلى أم القرى، والوقوف بعرفة والتبرك بأبي قبيس وحرى.
فلما انسلخ رجب، وخرجت قافلة العرب، جهزني معها بكل ما أحتاج إليه، وضمني
للوداع إلى صدره والدموع تتحدر من عينيه، وقال لي: ناشدتك الله يا ابن الكرام، إلا ما
جعلت الزيارة متواصلة في كل عام. فقلت له: يا عالي الذرى، ويا أعلم الورى، أنا ما أدع
فرصة، لدفع هذه الغصة، ثم أخذ في السري، في الحال مع العري، وهو يقول مسليٍّا لنفسه
على ما أصابه من ألم النوى في يومه، بعد ذهاب أمسه:

املقالة الحادية عشرة
وملا قطعنا املراحل العديدة بالتسيار، واشتد بي من معاناة الفراق الإضرار، وانحدر
علينا عند ما دهمنا الليل، مطر من السماء كأنَّه السيل، ومكث خمس ساعات، يبعث
ُ لت ً متمثلا بهذه الأوزان، التي
إلينا منه بآفات، ثم انجلت الغياهب، وظهرت الكواكب، قُ
رويتها في زمن الشبيبة عن بعض الإخوان:
امبال أنم ج هذا الليل حائرة أضلت القصد أم ليست على فلك
عادت سواريه وفقًا لا حراك با ه كأنا هجثت صرعي بمعترك
امتنقضي سة اعمهنفتطمعني به ولا هو في و هج بمنسلك
ُّ هل من بشير بنور الصبح ينقذني بُشراه نم طول ودجغر يتمَّركي
فد ق َّد أج التواء اللل ي لي شن جًا وأضجعتني تباريحي على الحك س
وعند مطلع الفجر، خرج على القافلة في عاشر الشهر، حزب من قطاع الطريق؛
كأنه نار الحريق، وكنت قد تعلقت من عهد نشأتي بملاقاة الأبطال، وركوب الأخطار
ومكابدة الأهوال، فامتشقت في يدي الحسام، وتأهبت في الحال للصدام، وقلت جريًا على
ِ عادة فرسان الحجاز، ملا انفصلت عن الصف للبراز:
أنا الأسد الضرغام في حومة الوغى إذا ثار نقع في مهول الملامح
وإني مبد ي للأعادي جميعهم بأسمر عسال وأبيض صارم
تر ف كماة الجيش مني متى رأت خي َ الي في يوم اللقا والتصادم
ُ وملا فرغت من شعري دنوت من القوم، وأقبلت عليهم بالتقريع واللوم، وقلت لهم:
يا أبناء اللئام، أتقطعون الطريق على حجاج بيت الله الحرام! فلما سمعوا مني هذا امللام،
الذي هو أمضى من السهام، اندفع عليَّ منهم فارس لا يقاومه رئبال، وقال لي: ويلك يا
أخس الأنذال، كيف تجاريت على تقريعنا بهذا املقال، مع علمك بأن قطاع الطريق لا
ً يميزون بني الحرام والحلال. فلا وأبيك ما أجبته إلا بنبلة في نحره، ساقته عاجلا إلى
قبره، وعطف
املقالات الأدبية
ٌّكل ُ منا إلى منزله واجتمع بالأهل والعيال، واستمرت بيني وبني الشيخ املراسلة، التي
تقوم — كما يُقال — مقام املواصلة، مدة من السنني والشهور والأيام، لا تنقص عن
ُ سبعة أشهر وعشرة أعوام، وكانت آخر مراسلة وصلت منه إليَّ في رمضان، أنه خارج
َّ سوان، فلما وقفت على
للحج والزيارة في شوال مع خمسة عشر من الطلبة وثلاث من النِّ
ُ هذه املكاتبة، واطلعت على هذه املخاطبة، اتحدت مع عشرين من رجال الحرب، وكانوا
من الأبطال املعروفني بالطعن والضرب، وخرجنا في العشرة الأخرية من شهر الصيام؛
لعلنا نحظى بمقابلته في البيداء ونحييه بالسلام، فلما توسطنا املفازة، بعد ما أخذنا من
ً الشريف الإجازة، وقطعنا من املراحل بالتوان، خمس َّ ا كوامل في أمان، انقض علينا من
جانبي الجبل، مائة فارس من ورائهم مائة ناقة وجمل، وحملوا علينا كالأسود، وصاحوا
دا من القتال، وصدمناهم صدمة الوبال، وكان معنا
ِجد بٍُّ
ْم نَ
علينا بأصوات كالرعود، فلَ
َّ فارس جسيم كامل العدة تحته جواد من العيوب سليم، فكر عليهم معنا كرة الهاصر،
ِّ وسطا عليهم بحسامه الباتر، وأظهر لهم ما عنده من الشدة، وقتل منهم أربعة عشر
َ وحده.
ودارت عليهم في آخر النهار، دوائر الفناء والبوار، وملا انجلت الغمة، بما بذله فارسنا
من الهمة، وانهزم الأعداء في منتصف شوال، وتخلوا عن الجمال والأثقال، أبصرت بني
الأسارى شيخنا الإمام، وهو مشرف من الوثاق على الحمام، فوقعت على قدميه، وقبلت
ُ رأسه ويديه، وقلت له: نفسي لك الفدا، من حوادث الردى، ما الذي أوقعك في قبضة هؤلاء
َّلم َ ا سمع ص َّ وتي خف عنه ما كان يجد
الأوغاد، وصفدك من غري رأفة بهذه الأصفاد، فَ
ً من الألم، واستوى قاعدا وزال عنه السقم، وقال أخبرني أنت يا أخي بالتفصيل، كيف
َّ كان خلاصنا من هذا التنكيل؟ فقلت له: يا أيها الصديق، ومن هو لي نعم الر َّ فيق، إن
خلاصكم كان على يد هؤلاء الأبطال، الذين أغرقوا أعاديكم في بحار الأهوال، وكان السبب
نَّني دعوت هؤلاء الشجعان، إلى السعي معي خدمة لجنابك،
َ
في لقائكم بهذا املكان، أ
ٍّ وتبركا بلثم ركابك، فقال لي: جزيت عني خريًا، ولا لقيت ما بقيت ضريًا، لقد فرجت
َّ عني الكربة، وأطلقتني من قيود النكبة، فإني ملا كتبت إليك، أني قادم عليك، تأهبت
ُ لأداء الفريضة على عجل، وحملت عيالي على أربع نياق وجمل، وقلت في نفسي: لعلي أظفر
بمقابلتك في الكعبة، وأتناول معك من ماء زمزم شربة، وملا خرجنا من البلد، لم يكن
معنا من أهله أحد، بيد أنه تبعنا على الأثر، من الطلبة الخمسة عشر، وفي خلال سرينا
على مهل، انحط علينا هؤلاء الفجار من الجبل، فقتلوا من فرغ منه الأجل، واستحسنوا
80
املقالة الحادية عشرة
ُ قبيح العمل، وكانوا م ِ ِّصر َ ين على قتلي مع الجماعة؛ لخوفهم في البيداء من الظمأ وامل َجاعة،
فأوقعهم اللهُ ً فيما أضمروه، وحملتم إليهم من املوت كأسا فتجرعوه، ثم نزلنا للراحة
بذلك املكان القفر، من ضحوة النهار إلى وقت العصر، ثم رحلنا بعد ما أدينا الصلاة،
ٌّ ونال كل من الزاد مناه، وبعد عشر ليال كاملة، وصلنا بالأمان في هيئة قافلة، إلى الحرم
املكي املعظم، وكان ذلك في آخر ذي القعدة املكرم، فتوجهت مع الشيخ والأقارب، إلى
ُ داري املجاورة لدار الشريف غالب، وأقمنا بها بني الأهل والولد، في عيش رغد، وقد نسي
كل منا ما كان يترنم به في السفر، وهو من بديع درر عفيف الدين التلمساني الأغر:
أحن إلى المنازل ور البوع وأنم ت بين أحشاء الضلوع
وأضر مكم ت و أشاقي ووجدي فتظر هاهلجلاسي و دمعي
ومن كلفي أعلل بالتمن ِ ي وأطمع في الخيال بلا هجوع
وأعترض النسم ي ً أسى ووشقًا وأسأل وامض البرق اللموع
ا أيعرب الحجاز كذا أضعم ت زن ًيلا في رحابم ك ر الفيع
َّفلما انقضت تلك الأيام القصار، ودخلت أوقات الحج والاعتمار، انتظمنا في سلك
قصاد عرفة، في أحسن هيئة وأكمل صفة، ثم تحولنا من مكة إلى املدينة؛ لزيارة صاحب
َّ الوقار والسكينة، ووقف الش ً يخ على املقصورة النبوية، وقال متمثلا بقول أبي شباك أجل
السادة الرفاعية املرضية:
في حة الالبعد روحي كنت أرسلاه تقبل الأرض عني فهي نائبتي
وهذه دولة الأشباح دق حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي
وبعد الفوز بلثم الأعتاب، وأداء الواجبات في الروضة واملحراب، عدنا إلى أم القرى
في سرور، ولذة سرمدية وحبور، والناس يقولون لنا في التحية، بألفاظ عذبة بهية: سعي
مشكور، وحج مبرور، وزيارة بالقبول محفوفة، ومواقف في طاعة الله معروفة.
وعزم الشيخ على انتجاع بلاده؛ لاشتياقه إلى تلامذته وأولاده، فالتمست منه الإقامة
معي إلى
املقالات الأدبية
لد قطبترفًعا حيث طبت أروةم نم ع طيب حيث الأصول أطايب
فلورد ماء الورد فرع يزينه ولليث شبل الليث مثل يقارب
عشقت ُع اللا طًفلا ومل ُك ي عق اشًا سواك وشهبالشيء للشيء جاذب
فأنت لا ه ابن وأنت له ٌ ا أب وأنت لا ه صنو وأنت أقارب
كذاك عشقت العلم والجود والتقى وللناس فيا ميعشقون مذاهب
َّ ومذ استعد َّ للذهاب، حث ُ إلى وطنه الركاب، فقطعت معه أربع مراحل، للوداع
ً والدمع من مقلتي هاطل، وأرسلت في صحبته من رجالي للحرس، أحد عشر بطلا كل
َّ واحد منهم على فرس، وقلت له: يا صاحب الد َّ رجة الرفيعة، إني عاجز عن القيام بشكر
ما بدأتني به من الصنيعة، فقال لي بعد بسط يديه بالدعاء إلى رب السماء والأرض، أن
يمد في عمرك إلى يوم العرض: تاهلل ما أنت في كل شيء إلا فريد الزمان، ووحيد العصر
والأوان، ولا غرابة فيما أقول؛ حيث ا


قال أبو املسرات، ابن أبي املبرات: إني لقيت شيخا من التجار، عليه سكينة ووقار، وله
بني أمثاله منزلة رفيعة، ودرجة سامية غري وضيعة، وكان قد بلغ الثمانني، وصدق عليه
قول بعض السابقني.
إن الثمانين وبُلِّغتها قد أحوجت سمعي إلى ترجمان
َّ ولقد نشأ هذا الشيخ من مدينة الأهواز، بني مشاء من ناسها وهماز، وكان في مبدأ
ْمِسِه، حتى إنه اتفق له في زمن
َ
ً أمره مجبولا على مطاوعة نفسه، غري مكثرث بغده وأ
ُ الشبيبة، أنه رمي من حوادث دهره بمصيبة، كانت نجاته منها سببًا في هدايته، وإقلاعه
دفعة واحدة عن غوايته، وما ذاك إلا أنه خالف أمه وأباه، في طاعة شيطانه وهواه، ورحل
مع قافلة من التجار إلى مدينة الأنبار، وبينما هي سارية بالليل، شاخصة بأبصارها
إلى سهيل؛ إذ خرجت عليها من مكان سحيق، فرقة من قُ َّطاع الطريق، وحملت عليها
ِ حملة الجبابرة، بعدما أحاطت بها كالدائرة، فطرحت رجالها قتلى على الأرض، ولم تراع
في حقهم السنة ولا الفرض، واستحوذت على البضاعة، وفقد كل واحد من أهل القافلة
ُصيب بضربة في الراس، فسقط على وجهه عادم
نفسه ومتاعه، وكان أبو املسرات ممن أ
ُ الحواس، وبقي بني الأموات مَّدة ثلاثة أيام، كان آخرها أول العام، ثم دبت الحياة فيه
َّ بعد سبع، ولو زاد على ذلك لأكله السبُع، فلما
املقالات الأدبية
استرجع وحوقل وطلب من الله حسن الخاتمة، وحاول النهوض على قدميه، فعجز وتعذر
القيام عليه، وبكى وأنشد في الحال، وقد أيقن بالزوال:
أقام على المسير ودقأنيخت مطاياه وغَّرد حادي ا اه
وقال أخاف عة ادي الليالي على نفسي وأن ألقى ر ا داه
مشينا اهخًطا ُكتبت علينا ونم ُكتبت علهيخا طمشا اه
ومن كانت منيه ت ب ا أرض فليس يموت في أرض سواه
َ ثم أقبل على نفسه باللوم، بعد ما تزحزح عن القتلى من القوم، وآلى أنه إن سِل َم
من هذا املصاب، وتخلص مما هو فيه من أليم العذاب، لا يخالف نصيحة أمه وأبيه،
بل يعيش بينهما عيشة الخامل دون النبيه، ويكف عن الأسفار، ولا يبرح عن فناء
ِّ الدار، وكان في أثناء تضرعاته إلى مولاه، واستغاثته به سبحانه في سره ونجواه، يقول في
مناجاته لربه، وهو متألم من جرحه معترف بذنبه:
يا رب يِّهئ لانمن ر أمنا رشدا واجل ع مو عنتك العظمى ا لنمددا
ولا تكلان إلى تدبير أنفسن دا ا فالنفس تعجز عن إصلاح ما فس
أنت العليم وقد وجهت من أملي إلى رجائك و ًجها س ً ائلا ويدا
فلا تردنَّ ا ه يا رب خائبة فبر ح ُج ِ ودك يروي لك من وردا
ولا زال يزحف حتى وصل إلى ساحل البحر، بعد صلاة الظهر قبيل العصر، ثم
َ وهت قواعد قوته، وتداعت بناء بنيته، فاضطجع اضطجاع امليْت،
املقالة العاشرة
ْ وفي أثناء الاضطجاع، عبرت بالقرب من الساحل سفينة شراع، فوقع بصر رئيسها
عليه، فانجذب قلبه إليه، ودنا بسفينته من البر في الحني، وأشار بالنزول إلى اثنني من
امللاحني، وقال لهما: إن وجدتما الروح، في هذا الشبح املطروح، فاحملاه على كاهليكما
بلا مهل، وبادرا به إلينا على العجل؛ لعله ينجو من الهلاك، ويتخلص من غائلة الارتباك،
ُ فامتثلا أمره وسارعا إليه، وقربا منه وعطفا عليه، وقبض أحدهما على نبضه، بعد ما
تأمل في طوله وعرضه، ثم وضع يده على صدره، وجعل أذنه على فيه ونحره، فتراءى له
َّ أن النفس يتردد فيه، فرفعه على كتفه واستعان بأخيه، وسعى به إلى السفينة، التي كانت
كقلعة حصينة، وكان فيها طبيب، ماهر لبيب، فعالجه حتى توجه إليه الشفاء، وزال عنه
السقم والعناء، وصار يروح ويغدو بني امللاحة، ويُثني على من ساق إليه صلاحه، وبعد
شهر كامل عادت إليه الصحة، التي هي بلا شك أجل منحة، بَيَْد َّ أن البحر اضطرب بعد
السكون، وأظلم الجو وزاغت العيون، وهبَّت من الجنوب رياح عاصفة، وملعت بروق
للأبصار خاطفة، وانحطت على السفينة أمواج كالجبال، من الأمام والخلف واليمني
والشمال، فدارت ثلاث دورات بلا انقطاع، وهوت كلمح البصر إلى القاع، وبمصادفة
القضاء والقدر، قبض أبو املسرات على لوح كان قد انكسر، وأنشد وهو يتقلب في أودية
الخطر، ويتملل من البرد واملطر:
يا رب ما زال لطف منك يشملني ودق تجدد لي امأنت تعُم ل ُه
فر اصهفعني كام َّوعدتني ركًما فمن سواك لهذا العد بري ُمحُه
وقد مكث خمس ليال يعاني من البحر، ما هو أمر من الصبر، وأشد حرارة من
1 وكان ذلك
الجمر، ثم قذفته الأمواج في اليوم السادس، إلى املينا املعروفة بابن قادس،
ً في أول ليلة من شهر الصيام، وقد وصل إلى البر والناس نيام، فوقع طريحا على الغبرا،
وكاد ينتقل من الدنيا إلى الأخرى، ولسان حاله يتمثل، بقول من أحسن في شعره وتجمل:
أنوح على ر ده مضى بن
املقالات الأدبية
وأبكي زمانًا ص ً الحا دق فقه دت فقَّطع قلبي مه ن بالزف ِ رات
أيا زمنا ولَّى على رمغ أهله ألا دع كا مدق كنت ذمسن ِ وات
َّ تمطى علي الدهر في متن قوسه ف َّد صعني مه ن بسم ه شتِات
وملا طلع النهار، ووقعت عليه أعني النظار، حملوه إلى دار أمري املدينة املعظم،
وناطوا بعلاجه الطبيب ابن أبي محجم، فتوجه إليه الشقاء بعد ثلاثة شهور، واعتدلت
َّ صحته وحل بساحته السرور، وأقسم باهلل العظيم، رب زمزم والحطيم، أنه ما دام على
قيد الحياة، لا يتبع شيطان هواه، ولا يُ َط ِاو ُع النفس، ولو ترتب على عدم مطاوعتها
الحلول بالرمس، وبعد أن تاب، وإلى الله أناب، خرج في قافلة إلى الحجاز، ومنها وصل
إلى مسقط رأسه بمدينة الأهواز، واجتمع فيها بأبيه وأمه، وانصرفت عنه غوائل همه،
وانهمك على تحصيل املعارف، حتى بلغ النهاية في التالد


قال ناظم السلوك، نقلا عن خادم امللوك: خرجت للصيد مع جماعة من الجنود، في ركاب
صاحب الأعلام والبنود، الليث الهصور، وامللك املنصور، رب القلم والسيف املشهور،
والرأي السديد املشهور، والعدل املنشور، والسعي املشكور، بطليموس الأكبر، خليفة
الإسكندر، فاحتوينا من الغزلان والأرانب، والسباع الضارية والثعالب، على ما لا يعد، ولا
ُّ يستقصى ولا يحد، ولشدة حرصنا على الصيد والقنص، انتهزنا ما تيسر من الفرص،
َّ وأطلقنا للجياد الأعنة، وقومنا الأسنة، وانتشرنا بلا ملال، ذات اليمني وذات الشمال، وفي
أثناء ذلك غاب امللك املكني، عن أعني حاشيته وخادمه الأمني، فاهتموا في خلال غيابه
بالبحث عن جنابه، فما وقفوا له على خبر، ولا وقعوا له على أثر، وكان قد توغل بالفدافد،
في طلب املكاسب والفوائد، فانتهى إلى أجمة ملتفة الشجر، لا ينفذ منها لكثافتها النظر،
وبينما هو شارع في التباعد عن أطرافها، والفرار على الفور من أكنافها، إذ ظهر له
أربعة من اللصوص، كأنهم كانوا كامنني له بالخصوص، ودنا منه الأول باهتمام، وقال
له من غري ابتسام: لقد تحقق لي ما رأيته في املنام، من أخذ هذا التاج والفوز باملرام،
فانزعه بلا معارضة ولا خصام، ولا تكثر على الدهر من امللام.
التاج تاجي ايجليل القدر فز انعه واقل بايركمي عذري
فقد رأي
املقالات الأدبية
ثم تقدم الثاني وقال له في الخطاب: تجاوز لي عما عليك من الثياب، فقد قصصت
رؤياي، على بشري بن بشراي، فنبأني أني أستحوذ عليها، وأضيف نعالك إليها، ثم أقدم
وأحجم وقال وهو لا يبتسم:
تلك الثياب ايعمد ي القوم أخذتا همنك ببعض حقي
وذاك حسبا مبدا في النوم لي فاعتمد فيما أقول صدقي
ُ ثم انقض الثالث على جواده الأدهم، وقال: إني رأيت في املنام، أني ملكت هذا
ُ امل َطَّهم، فانزل عن صهوته بلا جدال، وسلمني عنانه في الحال، وإياك والتوقف في هذا
الطلب، حتى تأمن على نفسك من العطب.
هذا جوادي وإني في المنام بلا شك ظفرت هب في ليلة الأ ِدح
فدعه لي وانصرف بالنفس ناجية من المهالك واشر كني إلى الأ ِدب
ثم وثب الرابع وثبة الأسد، وشهر في يده حسامه املهند، وقال: قد طلب ما أراده
كل واحد من الجماعة، ولم يبق معك غري السلسلة والساعة، وهما اللتان رأيت في ليلة
الخميس، أني انتزعتهما من صدرك يا رئيس.
هذه ساعتي وليس لمثلي يا رفع ي المنار عناهمحيص
فتجاوز عنا ه بغير نزاع إذ على أخذها فؤادي حريص
َّ عند ذلك قال له امللك الأجل: لقد فزت يا هذا ببلوغ الأمل، بيد أن الصفارة املوجودة
مع مفتاح هذه الساعة البديعة، فيها سر لا يُ ُ دركه بلا موقف إلا ذو فطنة رفيعة، فادن
مني حتى تعرف الحقيقة، وتهتدي في استعمال تلك الصفارة إلى أحسن طريقة، ثم إنه
قبض بيده على الصفارة املجاورة للمفتاح، ووضعها على فيه وصاح، فسمعت جنوده
الصفري، فهرع إليه منهم الكبري والصغري، وأحاطوا باللصوص من كل مك
املقالة التاسعة
ثم أشار إلى من حوله من الرجال، بالقبض عليهم بلا محال، فأجابوه إلى ما أراد،
وملكوا منهم القياد، وساقوهم إلى ما نصبوا من الأخشاب، وأوقفوهم تحتها ووضعوا
الحبال في الرقاب، ثم رفعوهم عن الأرض بلا مهل، وطووا منهم سجل الأجل، واقتفى
ِّ امللك بعد ذلك من اللصوص الأثر، وبعث بروح كل من وقع به منهم إلى سقر، فأراح
َ من شرِّهم العباد، ونََشر لواء الأمن في جميع البلاد، وبهذه السرية الحميدة، صارت أيامه
َّ سعيدة، وأثنى عليه املؤرخون بما هو أهله، وكيف لا وقد عم الأنام بعدله، ومدحه شعراء
زمانه باملدائح الفائقة، والقصائد النفيسة الرائقة التي منها:
نشرت لواء العدل في لك بقعة وطهرت أرض الله من كل مفسد
ففزت ببث 


قال الحسن بن أبي الحسن، املصري املوصوف بالخلق الحسن، ملا سئل عما رأى في غيبته
باليمن، وما شاهد في تلك الدمن: إني لشغفي بحب السياحة، وتولعي من عهد نشأتي
بامللاحة، قصدت في بعض أسفاري، مع الشيخ أبي إسحاق جاري، التوجه إلى مسقط
رأس الفقيه عمارة، الذي لقي بعد العاضد دماره، وما أغنى عنه فضله، ولا أدبه ونبله،
فلما نزلنا بساحة هذه البلاد، وجاورنا من فيها من العباد، ألفينا بها فتية من أنصار
العلوم، وأكابر الأحبار املتميزين بالفهوم، جنح إلينا من بينهم يعروف أريب، معروف
فيما بني أخدانه باللبيب، فمارسناه في جميع الأمور النافعة، فإذا هو في كل شيء منها
باقعة، وأعلامه فيها منشورة، ومساعيه في الخري مشكورة، وسماحته حاتمية، ونفسه
شريفة عصامية.
ً نفس عصام سودت عصاما وعلمته الكر والإق ا دام
وصيرته ملًكا همًاما
وبلاغته سحبانية، وشهامته شيبانية، وحكمته يمانية، وعقيدته إيمانية، وعدالته
عمرية، وهمته علوية، وهو جدير بما تمثل فيه بعض واصفيه:
املقالات الأدبية
والواقع أنه مستحق ملا به اتصف؛ لأنه في وطنه أعلم الخلف، وقد أقمنا معه من
ِ الأعوام أربعة، فأنستنا مكارمه الزائدة منن ابن زائدة، وتذكرنا بحلمه وذكائه، وفهمه
ودهائه، أحنف وإياس، وعبد الحميد وأبا فراس، وأخذنا عنه ما يملأ الوطاب، من كل
ُ معنى رقيق م ْستطاب، وملا حنت جوارحنا إلى الأوطان، وتاقت أنفسنا إلى الأهل والخلان،
طلبنا منه الإجازة، بعد الاستعداد لقطع املفازة، وعندما سمح لنا بالتحول عن هذه
ً البقاع، وسار معنا يوم ً ا كاملا للوداع، وقفنا وأقسمنا عليه، والدموع تنحدر من أعيننا
وعينيه، أن يرجع مصحوبًا بالصحة والنعم الشاملة، وأن لا يحرمنا في أثناء غيابنا عنه
ُ من املراسلة، ووعدناه أننا نعود بعد عامني إلى دياره، وأن لا نبرح بإرادتنا عن جواره،
إلا إذا أذن بالرحلة، إن كان في الأجل مهلة، وبعد أن سلك كل منهما طريقه، وتأسف كل
الأسف حني فارق رفيقه، تمادى الحسن وصاحبه على السري، مع القافلة إلى مكة املشرفة
َ بلا ضري، وكان وصولهما إليها في موسم الحج، فنالا بالوقوف على عرفة والعج، ما تقر
َّ به أعني املؤمنني، وتفرح به قصاد بيت رب العاملني، ثم توجها إلى زيارة الرسول، وبعد
َّ الفوز منه عليه الصلاة والسلام بالقبول، تحو َ لا عن هذه البقاع، ورِكبَا سفينة من سفن
َ الشراع، ووصلا بريح طيبة إلى مصر، في يوم خميس بعد صلاة العصر، هنالك أوملت
الولائم، واجتمع فيها القاعد من الأقارب والقائم، وتوالى وفود الأحباب للسلام، مدة ثلاث
ليال وثلاثة أيام.
وكان للشيخ أبي الحسن الأريب، صديق ماهر لبيب، وهو صاحب وجاهة شريف،
ذو همة عالية ومقام منيف، كان لا يفتر عن ملازمته طرفة عني، قبل أن ينعق بينهما
غراب البني، فلما حضر من غيبته، وازداد به سرور عترته، وسعى إلى زيارته جميع
الجريان، وجاء سائر خلانه من أبعد مكان، تخلف عنه ذلك الصديق النبيل، والرفيق
الذي هو نعم الخليل، فسأل عن هذا الوجيه، من أقاربه وذويه، فقيل له: إنه متوعك
املزاج، إلا أن بضاعة صحته أخذت في الرواج، فقال: الآن وجب السعي إليه، والإقبال في
هذا الوقت عليه.
ثم قام من منزله ومعه من جريانه جماعة، في يوم الاثنني بعد ثالث ساعة، واستوى
مع ثلاثة منهم في عربة، وأمر بسرعة السري؛ ليبلغ أربه، فطارت العربة بهم في سكة
معتدلة، بغاية ما يمكن من العجلة، حتى وصلت في هنيهة يسرية، إلى قصر في وسط
حديقة نضرية، فنزل على الباب، بمن معه من الأصحاب، وسأل الحاشية عن سيدهم
ُ املحترم، بيت الشرف والعلم والكرم، فقال له أحد الغلمان: إنَّه بعافية وهو جالس في
62
املقالة الثامنة
َّ الإيوان. قال الحسن: فلما أخذنا الإذن منه ودخلنا عليه، وتمثلنا على الفور بني يديه،
قام واثبًا على القدم، وكان كأنه الخلال من السقم، إلا أنه كان قد أخذ في النقاهة،
َّث ما عنده من ألم الفراق، ونبأ أنه كان
ً فقابلنا سريعا بالوجاهة، وسلَّم سلام املشتاق، وبَ
ُّ ة هذه الغيبة من السفَّ ار، ولو زال عنه ما كان اعتراه قبل
ُ يستنشق نسيم الأخبار، في مَّد
َّ التلاق، لسارع إلى املقابلة في جملة الرفاق، فعند ذلك ضمه إلى صدره، وقبله في عارضيه
ونحره، وبالغ في الثناء عليه، وفرح بتوجه الشفاء إليه، وقال متمثِّلا فيه، بما أبداه املتنبي
في سيف الدولة من معانيه:
المد جوعفي إذ وعفيت والكرم وزال عنك إلى أعدائك الألم
َّصحت بصحتك الأيام وابتهجت با هالمكارم وانهلت با ه ِّد اليَم
وراجع الشمس نور كان فارقها كأنا مفقده من جسما هسم ق
وامأخصك في برءٍ بتهنئة إذا سلمت فل ك الناسدقسلوا م
ِّ فلما فرغ من العناق، وانتعشت الأرواح بطي شقة الفراق، قال الشريف لأبي
ُ الحسن: أقسمت عليك يا معدن الفطن، إلا ما أقمت معي هنا بهذا البستان البديع، أنت
وعائلتك مدة فصل الربيع، حتى نتناول كئوس السمر، ونجتلي لذة املفاكهة في السهر،
َ فأنعم بلا امتناع وأجاب، واجتمعت الأحباب بالأحباب، ثم سأله عما سمع وما رأى في بلاد
ِّ الأجانب، وما شاهد فيها من العجائب، فقال: اعلم يا مليح الشمائل، ويا صحيح الرواية
َ في الفضائل، أني سِمْع ُت بأنَّ َّ ه كان يوجد في مدينة عدن، من جملة عجائب الزمن، شيخ
ِ من املعمرين، سنَّه لا تنقص عن مائة وخمسني من السنني، وكان له عشرة من البنني
ِّ والبنات، من خمس أمهات، كانوا يتكلمون بكل لسان، ويحفظون القرآن، وينظمون
الشعر، وينثرون الدر، ولهم في الآداب املؤلفات الفائقة، واملصنفات البديعة الرائقة، وكان
كبري هؤلاء العلماء الأعلام، من ذوي الجسارة والإقدام، ويُقال إنَّه خرج مع قافلة من
َّ بني سعد، في سفر إلى ناحية نجد، فتعرض لهم في الصحراء ليث هاصر، وأسد عظيم
الجثة خادر، فدنا منه بشدة باس، وقوة مراس، ولطمه على أنفه في موقف الخصام،
بُؤة وخمسة أشبال، فأحاطت به
لطمة هائلة جرعه بها كأس الحمام، وكان لهذا الليث لَ
من جهتي اليمني والشمال، ومن الخلف والأمام، فصدمها صدمة بطل همام، فقتل منها
َّ ثلاثة وهرب منه الرابع، واقتفى أثر أمه في
املقالات الأدبية
َّ الشكر والثنا، ونشروا بني يديه أعلام الهنا، وجمعوا له من الأموال عدة وافرة، فردها
ً إليهم قائلا لهم: إنما أبغي ثواب الآخرة.
وكان عمره إذا رأيته باليقني، ينوف على مائة وعشرين، وهو مع ذلك حاضر الذهن،
َّ سالم العقل والبنية من الوهن، إذا نطق أتى بإحسان حسان، وإذا كتب سابق يراعه
اللسان، لا يُسأل إلا ويحسن الجواب، ويقُول فيُصيب شاكلة الصواب، ولقد رأيتُه يسأله
سائل عن كثري من املسائل، وهو في جمع غزير، وجم غفري، فكان مما قاله في السؤال،
وأجاب الشيخ عنه في الحال: أيها املولى املشهور، كيف تجمع أسماء الشهور؟ فقال:
ِ خذها على الترتيب، ولا لوم ولا تثريب، تجمع على محرمات، وأصفار، وأرب ِ عة وأربعاء أو
شهور ربيع، وجماديات، وأرجاب وشعبانات، ورمضانات وشواويل أو شوالات، وذوات
القعدة وذوات الحجة، وقد ظهرت املحجة.
ُ قال: فكيف تجمع أسماء الأيام؟ فأجاب من غري تلعثم في الكلام: تجمع على سبوت
ِ أو أسب ُ تة، وآحاد وأثانني، وثلاثاوات، وأربعاوات، وأخمسة أو أخمس، وجمع أو جمعات.
فلما سردها سرد الأعداد، وأجاد كل الإجادة فيما أفاد، قبَّل السائل يديه، وقمنا نتعجب
لكثرة ما لديه، ولبث أبو الحسن في حديقة الشريف الرفيع، إلى أن انقضت أيام فصل
الربيع، ثم انتقل بعياله في شهر ذي القعدة، إلى منزله بخطة غيط العدة، واستمر بينهما
الوداد واملحبة، إلى أن قابل كلاهما ربَّه.


اتفق لرجل مكني، من مدينة بكني، أنه ساح في الأمصار وطاف بمدينة الأنصار، فصادف
ً في الروضة النبوية، رجلا من فقراء البرية، تلوح عليه سيمة الأتقياء، مع أنه من الفجرة
الأشقياء، الذين لا يحفظون لأحد ذمة، ولا يرعون له حرمة.
شخص خبيث لو طلبت اسمه من أحد يوصف بالضِّن
بادر في الحال إلى كشفه وقال عفريت من الجِّن
ُ ففرح به بعد املَسامرة غاية الفرح، واتسع صدره ملرافقته وانشرح.
لا تعاشر كل من أبصرته ربما استأمنت جهلا من يخون
ولَكم غر َك سمٌت ظاهٌر تحه ت من قة ل العقل فنون
وبعد أن فاز بزيارة سيد الأنام، ونال من البركات النبوية فوق املرام، وتمثل في
مدحه عليه صلوات ذي الجلال، بعد لثم أعتاب
املقالات الأدبية
يناجيك عد ب من عبيدك نازح عن الدار والأوطان والأهل وو الد ل
ويسأل رقابمن حماك فد ج ه ل بقرب فقرب الدار خر ي من البد ع
ليلثم أعتابًا لمسجدك الذي هبالرو ةضالفيحاء نم جة نالخدل
ثم قفل من املدينة املنيفة، إلى مكة الطاهرة الشريفة.
فارقت طية ب مشتاقًا لطيبها وجئت مة كفي وجد وفي م أل
لن ك سررت بأني بد عرفقتها ما سرت من حرم إلا إلى حرم
وكان قد استأنس بهذا الشيطان، وغمره من بحر كرمه بالإحسان، ونشله من
أوحال الشقاء والامتهان، واتخذه صديقً ا له وقدمه على سواه من الإخوان.
ألا رب من تحنو عليه ولو ترى وطيه ت ساءتك تلك الضمر ائ
لا ولا تغترر به إذامل تطب مهنلك دي المخر اب
ٍّ
فلا تأمْ نن ِخ
َّفلما خرج من طيبة في يوم الخميس، تعلق بأذياله هذا الخسيس، فأخذه برفقته،
وحله من قيد الفقر وربقته، وكان هذا الرجل حافيًا، مكشوف الرأس عاريًا، فاكتسى
وانتعل، وامتطى متن جمل.
قالت أراك مع الأنذال تصحبهم ومن يصاحبم ه في عمره يهن
لا يصحب المرء إلا من ويافه ق متى رأيت الظبا والأدسفي رقن
أجبتا همظًر ها عذري ومنشا د
املقالة السابعة
فأضمر في نفسه الغدر لهذا السيد الجليل القدر.
أعدى عدوك أدنى من وثقت به فحاذر الناس واصحبهم على دخل
فإنما رجل الدنيا وواح ا ده من لا يعول في الدنايعلى رلج
َّ وعول على قتله؛ لأجل الاحتواء على ما في رحله.
لعمرك امالمعروف في غر ي أهله وفي أهله إلا كبعض الودائع
فمستودع ضاع الذي كان عنده ومستودع ام عنده غير ضائع
وما الناس في شكر الأيادي وشكرها إلى أهلها إلا كبعض المزارع
فمزرةع أجدت فضوعف زرعها ومزرعة أكدت على كل زارع
وكيف يثمر غرس املعروف، في أرض لئيم بالغدر موصوف!
ومن يصنع المعروف في غير أهله يلاقي كما لاقى مجُر ي ِّ ام عر ام
د أع لا ه لا م استجارت ببيه ت أحاليب ألبان اللقاح الدوائر
َرتْه بأنياب لها وأظافر
وأسمنا هحتى إذا ام تمكنت فَ
فل ق لذوي المعروف ذاه جزاء نم يجود بمعروف على غر ي شر اك
َّ فلما جن الليل، وصمم الخبيث على طرحه في حفائر الويل، تفرس فيه الخادم، أنه
على الشر عازم، فتدبر بعقله أنه ينبغي ملثله، أن لا يتركه يركض في مضمار جهله، بل
يُجاريه في ميدان جده وهزله، ويوهمه أنه موافق له على ما أراد؛ حتى يقف منه على
َّلم ُ ا عرف كنه ما نوى عليه، وجنح قلبه إليه، اختلى
حقيقة م
املقالات الأدبية
ثم أخذ حذره من هذا الوغد الزنيم، والعدو الأحمق اللئيم، وأظهر له أنه نام، فصبر
َّ حتى انسدلت أستار الظلام، وثار هذا املهني، ثورة أسد العرين، واستل بيده خنجره،
ِ وقصد من املنعم عليه الحنجرة، ودنا منه وكاد أن يطعنه، ولم يعلم أنه لم تأخذه سنة،
ً فوثب عليه وثبة الهاصر، وهو لسيفه من غمده شاهر، وهجم عليه وضربه به صفحا على
صدره، فسقط منه الخنجر وانقلب على ظهره، هنالك انقض عليه الخادم، قبل استوائه
َّ على قدميه، وربط بعمامته من ورائه يديه، وعول على إتلاف مهجته، قبل نهوضه من
وقعته، ونوى على أنه يعدمه الحياة، ولا ينتظر فيه أمر مولاه، ويعمل بضد ما قال
القائل، في هذا الخائن الجاهل:
إذا ما الظلوم استحسن الظلم مذهبًا ولَّج ع ٍّ توا في قبيح اكتسه اب
فِكه ل إلى صرف الزمان فإنَّه يُسبديهلاممل يكن في حسه اب
فكم قد رأيا ن ظ ً الما متم ً ردا يرى النم ج تًه يا تحت ظل ركه اب
ف َّ عما قليل وهو في غفلاته أناخت صروف الحادثات ببه اب
فأصبح لا مال ولا جاه ريتجى ولا حسنات سطرت في كته اب
وقابله الجبار منه بفعله وصب عليه الله سوط عذابه
ِ فنهاه سيده عما عليه عزم، وقال له: لا تعجل على هذا البرم — البرم بالتحريك
اللئيم — ثم التفت إلى هذا اللعني، وقال له: ما الباعث لك على هذه الخيانة وأنت أمني؟!
فقال مجيبًا له بلعثمة وتلجلج لسان: يا مولاي، ما حملني على هذا إلا وسوسة الشيطان،
وهو الذي أنساني ذكر ما أسديت من الحسنات، وكاد لولا رجا
املقالة السابعة
وج ومأمول
دقجاء عبدكايمولاي معتً ذرا وأنت للعو ف رم ٌّ
وبعد ذلك أرسل العبرات، وأنشد وهو مصعد الزفرات:
أسُ أت وملأحسن وجئك ت هاربًا وأين لعد ب من وماله ي مه ُ رب
يُؤمل غر فانًا فإن خاب ظن ٌ ه فما أحد منه على الأرض أخيب
َـُه في سؤاله، وأعطاه ما
َّما سمع ما جاء به من مقاله، أمر بإطلاقه ورثى لتذلـلّ
لَ
فَ
تيسر من النقود، وقال له: اذهب من حيث أتيت يا كنود (الكنود كافر النعمة) وإياك
َمة ولا حرة، واحمد مولاك على السلامة، واعمل من
َ
ْ بعد هذه املرة، أن تُضمر الغدر لابن أ
ً الآن فصاعدا إلى يوم القيامة، ثم أشار إلى غلامه فزوده بطعام، وقال له: انصرف عنا
بَّل يده ومضى، وفي قلبه من عدم نجاحه جمر الغضا، وملا غاب عن الأبصار،
بسلام؛ فقَ
وانفرد في البيداء عن العبيد والأحرار، حدثته نفسه الأمارة، بأن يشن على منقذه من
َ ذات ً اليمني وطورا ذات
الهلاك الغارة، وبينما هو يجول كاملجنون في القفار، ويميل تارةً
اليسار، إذا رأى على باب مضيق ثلاثة من قطاع الطريق.
إن ضاق بي بدل َّميمت لي بًدلا وإن نأى منزل بي كان لي بدل
وإن تغير لي عن وده رجل أصفى المودة لي نم بعده رلج
لم يقطع الله لي من صاحب أملا إلا تجدد لي من صاحب أمل
فدنا منهم بلا خوف ولا وجل، وقال لهم: اقتفوا أثري على عجل؛ لتحظوا باملال
الجزيل، بعد قتل رجل جليل، تركته في البيداء مع خادم جبان، وسبعة من الجمال وبغلة
ً وحصان. فطاروا إليه معه، طمعا في الاكتساب والسعة، وكان الليل قد أقبل بغياهبه،
والنهار تحول بكواكبه، عن تنوير مشارقه ومغاربه، وقد نزل السياح مع خادمه على
َّ رأس الدرب؛ للراحة من التعب وعبادة الرب، فقبل استراحته هجموا عليه، وزعموا أنهم
وصلوا إليه، فلم يأخذه منهم فزع، ولا خوف ولا جزع؛ لأنَّه كان فارس الأرض في طولها
ِّ والعرض، بل ثار عليهم ثورة الأسد، ووقف لهم كالسد ِّ في الطريق الأسد، فقرب منه
َّ الأول، وهو على قتله قد عول، فلاقاه بدون اكتراث و
املقالات الأدبية
كأبي الحارث (كنية السبع) وطعنه في إحدى عينيه بالعسال، فتركه عبرة للأمثال، وأراد
الخائن أن يلفت العنان، وينفلت من قبضة الهوان، فلم يدعه الخادم دون أن حمل عليه،
وقبض بيديه على إحدى رجليه، وأدركه مولاه، فألقاه على قفاه، وربط أطرافه بعمامته،
وتمكن منه الخادم فأفرط في صفعه وملامته، واستأذن سيده في جذ رأسه، واستئصال
شأفته وخلع أضراسه.
الشر مصراع له سطوة تستنزل الجبار من رعهش
وأنت إن لم ترج أو تتِق كَم اليْت محمول على نعه ش
لا تنبش الر ش فتبلى هب فقلا م تسلم من نبه ش
إذا طغى الكبش بلم ح الكلى أدرج رأس الكبش في كرشه
لله في قدرته خاتم تجري المقر ادي على نقه ش
فقال له: اصبر ولا تعجل، وعن منهج الحلم لا تتحول، ثم نظر إلى هذا الأسري، املهني
الغدار الحقري، نظرة غضب، وعبس في وجهه وقطب، وقال له: ويلك يا نسل الأوغاد،
وحثالة غري الأمجاد، كيف قابلت الحسنة بالسيئات، ونسيت ما فات؟! لأقتلنَّك شر قتلة،
ولأجعلنَّك لقطاع الطريق مثلة، ولأصلبنَّك بني الوهاد؛ ليعتبر بك الرائح والغاد.
فقال له: يا مولاي، ذنبي عظيم، وجرمي بلا شك جسيم، وإني بما فرط مني
مستحق لعدم الصفح عني، إلا أن طمعي في مكارم أخلاقك وحلمك، وثقتي برأفتك
وحزمك، حملاني على التمسك منك بأسباب الخلاص، مما ليس عنه محيص ولا مناص.
لا شيء أعظم من ذنبي ومن أملي لعفوك اليوم نع ذنبي وعن زللي
فإن يكن ذا وذا عنديدقاجتمعا لأنت أعم ظ من ذنبي ومن أملي
َّ فباهلل يا حميد الأوصاف، ويا محيي سنة الأشراف، إلا ما عفوت في هذه الكرة، ع
املقالة السابعة
عن التعجيل عليه بالحتف، وقال: يا عدو نفسك، قد عفونا في هذه الدفعة عن جنايتك،
ُ وأغضينا عن خيانتك، فاذهب إلى حيث أردت من البلاد، وإياك والتعرض لضرر أحد
َ من العباد، ثم أمر بإطلاقه من وثاقه، وقال له: إن عدت إلى سوء فعلك، ورجعت إلى
خسة أصلك، محوت منك الأثر، وجعلتك عبرة ملن اعتبر، فقبَّل بني يديه التراب، وانساب
انسياب املاء من السحاب، وبعد انصرافه بنحو ساعة من النهار، امتطى السياح متن
الطريق في القفار، وواصل السري، بلا نصب ولا ضري، حتى إذا لم يبق بينه وبني مكة
َّم ُ ا نزل وضربت خيامه، وهيَّأ له
لَ
الشريفة، سوى مرحلة عزم على أخذ راحة خفيفة، فَ
َ الطعام َّ غلامه، مد بصره إلى جهة الأمام، فرأى خمسة من قطاع الطرق اللئام، وممن
وراءهم الخبيث، الذي سلف في حقه الحديث، فأفرغ على نفسه لامته، وأحضر له خادمه
ْوتر قوسه في الحال، وكان أرمى خلق الله بالنبال، فطلب القوم على الفور كأنه
َ
كنانته، وأ
ً عنترة أو أبو ثور، ورمى أول الخمسة في فؤاده، فهوى قتيلا من صهوة جواده، وألحق
بالثاني الثالث، وأصاب الرابع املسمى بالحارث، وهرب الخامس وهو من الحياة يائس،
وسمعه الخادم وهو يذم الزمان، ويبكي على فقد الإخوان، ويقول: ليت هذا املشئوم،
اللعني املذموم، ما التقى معنا في الفدفد، وساقنا إلى هذا الفارس الأوحد، وليتنا عصيناه
ولا أطعناه، وكنا عند مقابلته قتلناه، وأما الخائن الغدار، فبينما هو معول على الفرار، إذ
ِ انقض عليه الغلام، ورماه ببعض السهام، فأورده موارد الحمام، وصرم عمره وانقطع
الخصام، ووقف على مصرعه، فسمعه يقول من فمه، وهو مضرج على الثرى بدمه،
صرعني البغي الوخيم، وهوى بي في مهاوي العذاب الأليم؛ لأني عدلت عن قول القائل
من حكماء الأوائل: «الوفاء مليح، والعذر قبيح.»


قرأت في صحف الأوائل، من أخبار بعض القبائل، حكاية عجيبة، ورواية في بابها غريبة،
غردت بها العناديل والبلابل، على أفنان بساتني مدينة بابل، وهي أنه كان بهذه املدينة،
ٌّ ذات الأسوار العالية الحصينة، لص حليف إنصاف، حميد أخلاق وأوصاف، كان إذا
ألجأته الضرورة إلى القوت، وتسلق على جدران بعض القصور والبيوت، لا يأخذ منه
ُ لغذاء العيال، سوى م ْؤنة ثلاث ليال؛ ليكون فيها منعم البال، لا يذوق مرارة السؤال،
فكان لسان حاله ينشد، إذا لامه لائم أو فنده مفند:
خبرت الناس قرنًا بعد قرن فلم أر غير ختال وقِال
ر أم من الس ِ ؤال
رطا فا مطٌم ع ُّ
وذقت مرارة الأشياء ٍّ
وقد اتفق ذات يوم أنه نفذ ما بيده، واحتاج إلى ما يسد الرمق في غده، فخرج من
داره في الصباح، راجيًا الحصول على الرزق املتاح، فصادف في طريقه شابٍّا ثيابه نظيفة،
معتدل القامة ذا روح خفيفة، فاقتفى منه الأثر، وتوهم أنه بلغ الوطر، ولا زال يسعى
خلفه ويرعاه، ولا يعلم أنه خاب مسعاه، حتى انتهى إلى باب جسيم، على سور مرتفع
عظيم، فعزم على أنه يختلس منه ما يكفيه مدة من الدهر، لا تنقص أيامها في الحساب
َّ عن شهر، فلما جن عليه الليل وسجى، واشتد ظلام الدجى، أخذ سلم التسليق، وركب
متن الطريق، وقصد هذا
املقالات الأدبية
من الخارج على حائط الدار، وصعد على أعلاه بدون انتظار، ثم أدار سلمه املذكور إلى
الداخل، وثبته وانحدر عليه إلى أسفل كالقضاء النازل، وملا استقرت على الأرض قدمه،
َّ ندم حيث لا ينفعه ندمه؛ لأنه مد بصره يمينه وشماله وأمامه، فرأى فضاء كفضاء تهامة،
َ ولم يجد به سوى قاعة صغرية، بل عشة من الأخشاب حقرية، فتوسطها على سبيل
ً الاستيعاب، فألقى بها على حبل أقمشة الشاب، وشاهده مضاجعا على التراب لعجوز، لا
يسوغ النظر إليها ولا يجوز.
نس
ُّ
وقائل قد قال ما سنها؟ فقلت: امفي فماه
فأطرق برأسه هنيهة وذهب، وفؤاده قد شب به حريق اللهب، وفي الحال صعد
على املعارج، وانقلب من الداخل إلى الخارج، وتعثر في أذياله، واكتفى من الغنيمة بخيبة
َّ آماله، وعلم أن صاحب املال، لا يتسربل في الغالب بسربال شعر.
دق يجع م المال غر ي آكله ويأكل المال غير من جمعه
وسارع بالخيبة إلى داره، فتوارى بها قبل تنفس صبح نهاره، ثم خرج منها قبل
ً الزوال، وآلى على أن لا يقتفي متقمش ِّ ا من الرجال، وبينما هو يمشي في أضيق زقاق،
ً إذ رأى شيخا التفت منه الساق بالساق، وهو خفَّ اشي العينني، محدودب الظهر عريض
الكتفني، له لحية طويلة قذرة، وجلابيب رثة محتقرة، وعلى رأسه عمامة بالية كبرية،
وبيده اليمنى عكازة قصرية، فتبعه على الأثر، ولم يزغ عن رؤية البصر، حتى دخل من
َّ فرجة باب منخفض العتبة، في دهليز كأنه لطوله واتساعه رجمة، هنالك خلى سبيله
وانصرف، وإلى خارج الأزقة عن املدينة انحرف، وصبر إلى النصف الأخري من الليل،
وانحط على منزل هذا الأحدب انحطاط السيل، وعلا على الجدران؛ حيث أعانه املقدور
ً والإمكان، وعطف على قاعة مزخرفة الصناعة، فصادف فيها سريرا من عمل الهنود، على
قبة من الحرير نادرة الوجود، فدنا منه وتأمل فيه، فعاين فيه فتاة جميلة مضاجعة
السفيه، وأبصر عند رأس هذا السرير الفريد، عشر مفاتيح صغرية من الحديد، فأخذها
ُ وانساب في الأروقة، كأنه النار املحرقة، فعثر في جهة اليسار، على رواق فيه عشر صناديق
ً كبار، ففتحها واحدا بعد واحد باملفاتيح، فأضاءت له النقود من داخلها كاملصابيح،
ً
املقالة السادسة
والهللولا الهلسبحه ان لقلت للفة ضسبحاناه
لو كان الفضة في جرة حركت الجرة آذانا ه
َّ ولكنه عدل عن طريق الإسراف، وقسم هذه الصناديق قسمة إنصاف، فنقل خمسة
منها إلى منزل الشاب الفقري، وحمل الفتاة وطرحها بجانب الحصري، وساق العجوز إلى
الشيخ الكبري، ووضعها بجواره في القبة على السرير.
فمل ُتك تصلح إلا ل ُ ه ولم يك يصلح إلا لها
ِ الهرم
َ واختص من الصناديق باثنني، وترك ثلاثة منها بلا مني، وكان من عادة هذا
مع الصبية، أنَّها تتعهده بالدلك حتى يستيقظ من نومته الهنية، فلما كان في صباح
ليلة ذهاب الكنوز، واستبدال هذه الصبية بالعجوز، انتبه الشيخ من كراه، والتفت إلى
وراه، فرأى جيفة في موضع الوليفة، فوكزها برجله في صدرها، وكزة هيأتها إلى قبرها،
وسحبها على وجهها وهو مذموم مدحور، وألقاها في حفرة مرحاض مهجور، ثم تفقد
ماله فوجد سبعة من الصناديق قد عدمت، فهوت أركان قواه وهدمت، وطار لُبه، وانخلع
قلبه، وبكى لذهاب الزوجة والعني، وسخط على الزمان ولعن غراب البني.
أف للدنيا إذا كانت كذا أنا منها في بلاء وأذى
ْ إن صفا عيش امرئ في صبحها جاءه بالأمس با مفه ي القذى
ولقد كنت إذا ام قيل َمن أنعم العالم عً يشا؟ قيل ذا
ثم حلق لحيته، وغري حليته، ودار في الأزقة؛ ليعثر على من فعل معه هذه الدقة،
َّوأما الشاب املتعفف، الذي كانت ثروته على يد اللص املنصف، فإنه كان يترك العجوز
َّ كأنها من نومها في رمس، فلا تنتبه إلا إذا أحرقتها حرارة الشمس، فلما كان في فجر تلك
الليلة السعيدة، استشعر بيد رخصة تباشر جسده بالدلك، فتوهم أنه في منام، ثم فتح
عينيه فزال عنه الشك، وقال لها: من أين أقبلت يا قرة العني؟ وهل أنت إنسية أم من
ً الأرواح الجنية؟ فقالت له وهي باسمة، وقد وثبت على قدميه
املقالات الأدبية
العمر؛ لأني وإن كنت على فراش من حرير، وحولي من الجواري جم غفري، إلا أني كنت
ْ في حبائل شيخ يدعي أنه ابن سبعني، وعهدي به أنه تجاوز التسعني، ثم التفتت ذات
اليسار، وقالت له: أبشر بالغنى واليسار، فهذه الصناديق الخمسة من مال ذلك املهني،
وإنها هي شطر ماله باليقني، ولقد نظر الله إليك بعني الرضا، وأنقذك من غائلة الفاقة
ْ بالقدر والقضا، فإن كان لك هذا السور، فشيِّد لنا من داخله أبهج القصور، واغرس
حوله ما تشاء من الزهور، ولا تخف صولة الفقر، فقد تيسر لك الأمر.
فلما سمع منها مقالها، وفهم سؤالها، بادر إلى البنَّاء والنجار فشيدا له القصر، في
مدة لا تزيد عن شهر، واشترى ما احتاج إليه من الأثاث، ما يكفي للخدمة من الذكور
والإناث، وعقد عقد النكاح، على شمس الصباح، وبنى بها في ليلة جمعة، بقاعة أوقد
بها ألف شمعة، ثم شمر عن ساعد الاجتهاد، في التجارة ففاز منها بما أراد، وكان
ُ رئيس ُ التجار في ذاك الوقت، قد رمي من املرض بسهام السقام واملقت، وارتحل من
ُ دار الفناء، إلى دار البقاء والهناء، فقلدوا الشاب املذكور بهذه الرياسة، ملا عهد فيه من
َّ حسن السياسة، وكان الشيخ قد عرف بالتجسس الشديد، والتفحص الأكيد، أن زوجته
وماله عند هذا الغريم لا محالة، فاستعدى عليه الحاكم، وقال له: أجرني من هذا الظالم.
َّفلم َّ ا بعث إليه الأعوان، وجاءوا به إلى الديوان، وهم بسؤاله، وطرحه في مهاوي أهواله،
وثب اللص وثبة الأسد الكاسر، وقال أنا غريم هذا الخاسر، فخلوا سبيل الشاب، وخذوا
مني الجواب، وقص على الحاكم القصة، وأزال عن التاجر الغصة، وسأل الشيخ عن
الشيخة، فأنكر وجحد، وقال: ما لي بها علم وحق الواحد الأحد، فكذبوه وهجموا عليه
في داره، بلا إذن منه ولا تراض، فألفَوا رمة العجوز في املرحاض، فأحاطوا به وقبضوا
ً ا ذليلا إلى ولي الأمر، بعدما ضبطوا
على أطواقه، ولم يتأخروا عن شد وثاقه، وقادوه حقريً
أمتعته بالغلبة والقهر، واعترف في حضرة القاضي بالقتل، فاستحق القصاص، وحكم
عليه باملوت الذي ليس عنه مناص، واستتاب الحاكم اللص املنصف، بعد أن ربط له
على الخزينة ما يقوم بكفاية املتعفف، وأنعم عليه بمنزل املقتول، وكانت هذه الحادثة
الغريبة سببًا في بلوغ املأمول.
بذا قضت الأيام ما بين أهلها مص


ُ نقلت من خزانة الأسرار، بإحدى مدن الآثار، عن حبر أحبار، وجهينة أخبار؛ عبارة
ة
ِ شري بإحدى يديها إلى املقَ
بالحروف مرقومة، تحت صورة في الكتاب مرسومة، تُ
عد في ذاتها
ُّ
والوفاق، وبالأخرى إلى املقت والشقاق، وهي مع ما فيها من اللطافة، تُ
خرافة، ونصها: أنَّه كان يُوجد بمدينة تلمسان، كهل من عفاة بني ساسان، أنهكت
جسمه الفاقة، ولم يقابله دهره بالطلاقة، وكان له وليد نجيب، أو حفيد ذكي لبيب،
انحاز إلى مؤدب صبيان، ومعلم أطفال وفتيان، فتعلم القراءة منه والكتابة، وأبدى في
حفظ دروسه النجابة، وأخذ عن غريه النحو والصرف، وجال في ميدان الأدب بأسبق
طرف، وبلغ من املنطق والبيان والبديع، ما يرتفع به قدر الوضيع، واستحوذ من
العروض والإنشاء واللغة وسائر الفنون، والحديث والفقه والتوحيد وآداب البحث على ما
تقر به العيون، وبرع في معرفة الهيئة والجبر والهندسة والحساب.
ٍ جاريه مجار، ولا
وحل بفكره الوقاد في كل فن مسائله الصعاب، حتى أصبح لا يُ
ٍ باريه في مجاله مبار، وهاجر في طلب العلم إلى أكثر البلاد، وكانت آخر مدينة انتهى
يُ
إليها بغداد، فاجتمع فيها بأقيال البراعة، وأبطال البلاغة والرياعة، وركب معهم سفينة
بََّني لهم
َّما تَ
َّ املناقشة ورفع في بحرها شراعه، ومد بينهم في كل فرع من العلوم باعه، فلَ
أنه فارس امليدان، وأنَّه أوحد زمانه في املعارف بني الأخدان، مالوا إليه وكثرت في املدينة
َّخلانه، وأثنت على أخلاقه بكل لسان جريانه.
املقالات الأدبية
وشاع بني البرية ذكر معلوماته الخارجة عن حد القياس، حتى طرق مسامع وزير
َّ أحد خلفاء بني العباس؛ حيث قيل له وهو في محفل من نبلاء الجلا َّ س: إن هذا الأُستاذ
أفصح من قس، وأذكى من إياس.
ٍ فقال الوزير لحاجبه ابن جرير: اقصد في غد دار هذا الفاضل، الذي دونه املباحث
كل مناضل، والتمس من جنابه، أنه يزورنا بركابه؛ لعلي أتخذه كاتبًا ومشريًا، وحاسبًا
بَّل الحاجب الأرض وأجاب بلبيك، وقال: إنه سيكون عندك وبني
بالديوان وسمريًا، فقَ
َّما كان في صبيحة يوم الجمعة، هيَّأ بغلة عظيمة السرعة، وسعى إليه وسأله عن
لَ
يديك، فَ
ٍ داره، من وجيه كان ساكنًا في جواره، ومذ لقيه وجاء به إلى مولاه، قربه وأكرم مثواه،
ُ وأنزله برواق من مأواه، ورفع درجته على من سواه، وملا كان هذا املتفنن حلو الفكاهة،
حسن املسامرة حجازي النباهة، خلب العقول بفصاحته، وسلب الألباب بسحر بلاغته،
وتشبث من عهد نشأته، بما ينشر بني امللأ أعلام شهرته، ويذهب عنه العسر والباس،
ْس َّ د الشرَى، ويرغب
ُ
ويجلب له اليسر بني الناس، ويجذب إليه قلوب الورى، ويطيع له أ
فيه العباد، ويحبب فيه ذوي الرشاد.
وقد احتفل بذلك في السر والعلن، حتى نال بغيته وفاز بالذكر الحسن، ولم يدع
ٍ ا إلا سارع إليه، وانقض بلا توان ُ انقضاض العقاب عليه، فكنت
من أفعال الخري شيئً
تارة تراه باملساجد، كناسك راكع ساجد، وتارة يبدو في املجالس، بوجه بشوش عابس،
ً وطور ً ا يبرز بني الأقران، في حلة الرأفة والإحسان، وطاملا أحرز قصب السبق، في مضمار
نضرة الحق، وتمادى على هذا العمل، بلا فتور ولا كسل، إلى أن تقرب بمثل هذا السلوك،
من هذا الوزير الذي تفتخر به امللوك، فقلده في ديوان الخليفة، بوظيفة كاتب الإنشاء
املنيفة، ثم تنقل من إيوان إلى إيوان، حتى استوى على مرتبة رئيس كتاب الديوان، وصار
يركب في املواكب، بعد انتظامه في سلك ذوي املراتب، ويتقلب في أودية النعم، ويتصرف
التصرف التام فيما يتعلق بأرباب السيف والقلم، ولا زال في كل يوم يعلو مناره، وينمو
على الدوام فخاره، ويزداد بني الأمراء اعتباره، ويغرس في أفئدة الوزراء وقاره، إلى أن
نَ َ ال من زمانه الأمل، ووصل بالإرادة الأزلية إلى ما وصل، ولاحظته عيون السعادة، ففاز
بالحسنى وزيادة.
ٍ اج حاجة لا ينالها و ر آخدقتقضى له ووه جالس
ُ ألا ر َّب ر
يجول لا ههذا وتق
املقالة الخامسة
َّ وبعد أن تقلد بهذه الوظيفة الرفيعة، وتأهل من بنات أعيان املدينة بحرة في حسنها
بديعة، أقبلت عليه الدنيا بخرياتها الجزيلة، وامتلأت عليه داره من الخدم والجواري
الروميات الجميلة، واشتغل بمباشرة املناصب، عن الاحتفال بمسامرة الصديق والصاحب،
فثارت عليه طوائف الحساد من كل جانب، واتهموه بالانحراف عن أقوم املذاهب، وقال
فيه شاعرهم:
إذا رعف ز المان وضع ي أصل وألبسه ثياب الاعتبار
فسالم من أردت سواه وانظر له أبًدا بعين الاحتقار
وزعموا أن بشاشته تبدلت بالتقطيب والعبوس، وأن فظاظته وعدم استقامته قد
ِّمه،
اشمأزت منهما النفوس، وأنه اعتزل الأشراف، وحاد عن طريق الإنصاف، وبالغوا في ذَ
ِّ وبالغوا في هجاء أم َّ ه، وقال بعضهم في مجلس الوزير: إن سوء فعله من الأدلة القائمة
ِ على دناءته وخ َّس ُ ة أصله، وأنه م ُ بري كذاب، ومثري للفتن مرتاب، وأنه ملا نال بغيته بغى،
َّ وضل بعد الهداية وطغى، وتاه على أبناء جنسه، ولم يذكر في يومه ما لقيه في أمسه.
وقال آخرون: إنه بقية من قوم عاد، وإن حياته مضرة بالأنام على القرب والبعاد،
وإنه ظهري لذوي املعايب، ونصري للعاكفني على املثالب، وليس الباعث لهم على إذاعة هذه
الأقاويل الكاذبة، وإشاعة هذه الأباطيل التي سهامها به صائبة، سوى الغرية والحسد
الذي رماهم بنبال الكمد.
ً وإذا خشيت من الأمور مقدرا وفررت مه ن فنحوه تو تهج
وبالجملة فإنهم أقاموا على هذه الوترية مدة من الزمن غري قصرية، ونسبوا إلى
بعض أصهاره، أنه هجاه بقوله من بديع أشعاره:
َ ما لي أراك عدلت مما لضرورة عن سنة الأشراف والأم
املقالات الأدبية
َّلا
إِ
ْو َك َ ان ِف ِيهَم ِ ا آلَهةٌ
ُ كر في محفل قال أدناه وأعلاه، مشريً ِ ا إلى كْبرِه: ﴿لَ
وكان كلما ذُ
الله﴾.
وحيث إن كل ذي نعمة عليها محسود، اجتهدوا في تقبيح سريه املحمود، حتى
َ أوغروا عليه صدر ولي أمره، بعد أن أقاموا له البرَاهني على اعتزاله وكفره، فتنكر له
َّ ه، فلما انزوى عقب الطرد بقصره، لم يتركوه بلا أذى
َصلَ
وعزله، وعن وظيفته السامية فَ
في حصره، بل اعتدوا عليه وبعثوا إليه.
أمسيت يا طير مقصوص الجناح وقد ألقاك صيادك المحتال في القفص
لا فرج اله ل عنك الكرب فيه ولا أخلاك فه ي مدى دنياك عن غصص
ِّص امأنزل الجبار في القصص
وأنت لا شك بد ع الموت في سر ق نبَ
وكان قد اكتسب من الرزق الحلال بالهمة، ما لا يُ َ حصى من الأموال الوافرة الجَّمة،
ُ وادخرها في داره املضاهية في زينتها ملدينة إرم، التي كانت آهلة بالسراري الحسان
والحشم، ولولا شغفه بحب الرياسة، وتولعه بأحوال السياسة، لعاش عيشة راضية في
يسار وثروة، ولذة وافية وزيادة حظوة، وكيف لا وقد كان في هذه الدار املزخرفة الرصينة
الأسوار، ما تشتهي الأنفس وتعجز عن وصفه الألسن، مما يشرح الصدور ويسر الأعني،
ُ من ع ُرب أتراب، تسحر بجمالها الألباب، وحور عني حسان، لم يطمثهن إنس قبلهم ولا
جان، وهو معهن آناء الليل وأطراف النهار، في جنات تجري من تحتها الأنهار.
وملا توارى عن ذوي الأحقاد، وانقطعت عنه ألسنة الحساد، كان لا يسمع ما يكدر
ِار النميمة
ِ منه الخاطر، أو يحرك ما انطوت عليه الضمائر من غيظ وحنق، على من بنَ
احترق، فلو أنه دام على هذه الحال؛ لتنعم منه البال، لكنه ملا طال عليه املدى، وتذكر
شماتة العدى، عاف الشراب والطعام، وانعجم لسانه عن الكلام، وضاق منه الخناق،
َّ وكادت روحه تبلغ التراق، وهجر الكواعب، وبسر في وجوه ذوي امللاعب، ومج سمعه
َوَّه َّ م أن بستانه النضري الواسع،
الأنغام والأغاني، وأعرض عن مشاهدة الغواني، وتَ
َور ْو َض ُ ه املزهر البائع؛ قد أمسى لتقارب الأطراف، أضيق من سم الخياط بلا اختلاف،
وأظلمت الدنيا في عينيه، وصار لا يبصر ما بني يديه، وساءت منه الأخلاق، واعترض في
ِكر البعث
ُ سره وعلانيته على الخلاق، مع أن
املقالة الخامسة
أتترك لذة الصهباء عًد ما بما وعدوك من لبن وخمر
حياة مث موت مث نر ش حديث رخة افيا أم عر مو
وكان لاحتجابه عن انتشاق نسيم الأخبار، يُصبح ويُمسي في اختناق على مقالي النار،
ولقد عيل منه الاصطبار، بعد طول الانتظار، وأضحى لا يقر له قرار، بأي مكان من
ُ الدار، حتى إنه في خلال الدوران، دخل قاعة مزخرفة البنيان، ووقف تجاه شباك، مشرف
على شارع ابن الحباك، فوقع بصره على شيخ كبري، كأنه لضخامته بعري، وهو يتوكأ
على عصاه، وقد كشف رأسه وقفاه، وشرع في طلب الصدقة، من ذوي املروءة والشفقة،
بقوله: يا أهل املراحم واملروة، واملكارم الشاملة والفتوة، تصدقوا على بعل الشيخة أم
طبق، بما يستر العورة ويسد الرمق.
َّما رآه وهو على ما به من الاضطرار، إلى سؤال الجائز واملار، حسده على غدوه
فلَ
ْ ورواحه، وتمنى أن يَ ْح َظ ُ ى مثله بإطلاق سراحه، وقال لغ ِلامه وائل: عليَّ بهذا السائل؛
فانطلق على الفور يهرع خلفه، فأدركه قبل الانسياب في أول عطفه، وقال له: أيها السائل
ْ املضطر، أجب الرئيس أوحد الدهر، فحصل للشيخ من شدة الارتياع، ضر ٌب من الخدر
َوهمه أنَّه من الأعوان، املوكلني بضبط كل سائل
والصداع، وأوجس منه في نفسه خيفة؛ لتَ
من الرجال والنسوان. وقال: سألتك باهلل يا ابن الحلال، ألا ما تركتني أسعى في طلب
َّ زرق العيال، فتلطف به حتى لان وأجاب، وسار معه وهو على غاية من الارتياب، وأدخله
القصر بعد صلاة العصر، فاعتراه من هيبة املكان، ما زلزل منه الأركان، وكاد عقله من
ِ رأسه يطري، عند رؤيته لأعوان هذا الرئيس الخطري، ومن شَّد َ ة ما ناله من الذهول، ه َّم
بالرجوع من قبل الوصول، فمنعه الخادم أبو خف، عما أراد بلني ولطف، ولا زال يسكن
َ عنه بعض ر ْوعه، وينهاه عن رجوعه، ويعده من مولاه بزوال البوس، وامتلاء كيسه بعد
ُ الإفلاس بالفلوس، حتى وقف به أمام سيده بالبستان، وقال له: ادن من مولانا وقبِّل
راحتيه بأمان.
َّما عاينه الشيخ جثا عن ركبتيه، وبادر إلى تقبيل مواطئ قدميه، فأقامه وعلى
لَ
فَ
َّ متكأ بجواره أجلسه، وبش في وجهه وبعذوبة ألفاظه آنسه، وسأله عن أحواله، وعن
َمر غلامه ابن بسام، بالتوجه به إلى الحمام، وبعد تنظيف بدنه،
َ
مقر زوجته وعياله، ثم أ
وإزالة ما عليه من درنه، خلع عليه حلة تليق بحاله، وغمره من الإحسان بما كفه عن
سؤاله، وحمله بعد
املقالات الأدبية
له: أيها الشيخ، الذي ألبسه الشيب من الوقار أبهى ثياب، أنت صرت الآن عندنا من
َود حالك،
َ
أجل الأصدقاء والأحباب، وقد ربطنا لك ولعيالك، من املرتَّبات ما يستقيم به أ
ورفعنا ما بيننا وبينك من الحجاب، فادخل علينا بدون استئذان من أي باب، وأتحفنا
بما تلتقط من الأخبار، ولا تَ ْخف ً بعد إقبالنا عليك غائلة الإدبار، فقال الشيخ متمثلا، بما
راق وحلا:
ايأيا هالر ب الر كيم ومن ه ل ِمنن َحلن من ز المان وثاقي
من شاكر عني نداك فإنه من عظم ما أوليت ضاق خناقي
منن تخف على يديك وإنا م ثقلت مو ئنتا هعلى الأعنِاق
وحضرت املائدة بالأطعمة، فدعاه إليها وعلى سواه قدمه، فامتنع الشيخ وتأخر،
وأحجم عند الإقدام وتقهقر، وقال: معاذ الله أن يأكل السائل املسكني، مع حضرة الرئيس
الأجل املكني؛ لأنه لا يسوغ للصعلوك، الذي لا يُساوي قلامة ظفر مملوك، أن يتجارى على
ُ الأكل مع املالك، ولو ساقه الجوع إلى املهالك، وكيف يجلس معه على خوان، يتعذر الدنو
َّ منه على الوجوه والأعيان؟! فقال له الر ُ ئيس النَّبيل: هذه عادتنا مع الحقري والجليل، ولا
َّ زال يدعوه إلى الزاد وهو يمتنع، ولونه من شدة الخجل ينتقع، إلى أن تقدم لكن على رغم
أنفه؛ لأنهم كانوا يقودونه من أمامه ويسوقونه من خلفه، وملا قعد للأكل ولم يتفق له
َّ ذلك من قبل، مد ِ يده وهي في غاية الارتعاش، وتناول أول لقمة فسقطت على الفَراش،
َّ وهكذا كان يأكل بخوف ووجل، وكأن حلقه مسدود بصخرة من جبل، مع أنه كان يتأتى
َّ له في غري هذا الخوان، ابتلاع عشرة أرغفة بفخذ من الضان، ولا شك أنه ما تحصل من
ً هذه املائدة الكثرية على شبع، بل قام جائعا يتمنى الأكل مرة أخرى مع التبع، إلا أنَّه قد
حيل بينه وبني املرام؛ لخوفه من التوبيخ وامللام، وملا فرغ من غسل يديه، وانتصب أمام
ُّ الرئيس على رجليه، أشار إليه بالقعود، وأجاب بالر َّ كوع والسجود، فألح عليه حتى جلس
فوق بساط منقوش، في قاعة بجوار قاعة املائدة مفروش، وبعد أن شرب القهوة، ازداد
ً فرحا ونشوة، وبات إلى الصباح وهو في س
املقالة الخامسة
فيا رب زدني قبوًلا ب ً ه أعيش سعيدا حليف الغنى
وكان برفقته أحد غلمان الدار، فأخذه معه في السري إلى جهة اليسار، حتى أوصلَه في
عطفة مائلة، إلى املنزل الذي نُقلت إليه العائلة، ثم تركه وانصرف من حيث أتى، ودخل
هو على زوجته فسمعها تقول لأحد أولادها: يا فتى، أين أبوك الأقرع بن شعلان؟ فإنه لو
َرح، تاهلل
ُ رأى ما نحن ُّ فيه من الخري والإحسان، لزال عنه الهم ِ والترح، ولبكى من شَّدة الفَ
ُّ يا قرة العني، وحياة أختك أم بطنني، إني أطن أننا الآن في منام، والذي نحن فيه أضغاث
أحلام. فقال لها وقد لاحت منه التفاتة إلى جهة الباب: هذا أبي قد أقبل يرفل في أبهج
أثواب، فعند ذلك هرولت الشيخة بملابسها الجديدة إليه، وقبلت يده وسلمت بالاشتياق
عليه، وقالت له: يا أبا الأطفال، من أين لنا هذا الإقبال؟ فقال لها: يا بنت عبد الله، هو
َّ من عند الله، ثم قص عليها ما جرى من أوله إلى آخره، وأوقفها على باطنه وظاهره،
وقال لها: وأنت أخبريني كيف كان الانتقال، من دويرتنا الحقرية إلى هذا املنزل العال؟!
َّ فقالت: جاءني جماعة من الغلمان، بأقمشة صالحة للبنات والصبيان، وقالوا: إن َ الشيخ
َ بعث بها إليكم فالبسوا منها ما شئتم، فإنَّه فصلها عليكم، وسريوا بنا إلى الدار التي
اشتراها برسمكم، وأعدها بجوار قصور الأعيان والأمراء لكم، فلما توسطناها وطفنا بما
فيها من املناظر واملخادع، والأروقة الواسعة املطلة على الدور والجوامع، وكان طوافنا
فيها بالذكور والإناث، وجدناها بديعة الهندسة كاملة الأثاث، وألفينا بها من الحنطة
والسمن والعسل، والفول والزيت والزيتون والثوم والبصل، ما يكفي بلا تردد في القول،
مدة لا تنقص عن نصف حول، وها هي أمامك وبني يديك، فطف بها إن لم يكن في
الطواف مشقة عليك. فقال لها وقد تبسم، وهو بمدح املنعم عليه يترنم: قولي معي في
الابتهال، بعد الصلاة على النبي والآل: اللهم بارك لنا فيما أعطيت، ومتعنا بزيارة ساكن
َّ طيبة وحج البيت، وانظر بعني الرضا والقبول، والرعاية الكاملة والشمول، إلى من عمنا
من بَ ْحر كرمه، بوافر هباته ونعمه.
وكان الليل بظلامه أقبل، والنهار بضيائه تحول، فأكلوا حتى اكتفوا مما تهيأ لهم
من الطعام الفاخر، وحمدوه سبحانه على ما اغترفوا من بحر جوده الزاخر، وباتوا في
مسرات وأفراح، إلى أن أشرقت غرة الصبح الوضاح، ثم نهض من نومه كأنما نشط من
عقال، وصلى صبحه وأفرغ عليه ملابسه في الحال، وأكل مع أولاده ما تيسر، وخرج من
ً داره واكترى من السوق حمارا أخضر، فركبه وانساب في الأزقة والشوارع، فالتقط كل
خبر شائع، وسارع بما جمع إلى مولاه، فقص عليه ما
املقالات الأدبية
ً كما شرى، بل أضاف إلى كل لفظة من أمثالها عشرا، فحظي عنده بأعلى منزلة، وبالغ في
احترامه وبجله، وقال له: أيها الشيخ املعمر، ومن هو نعم السمري املدبر، اركض بخيلك
َّ ورجلك ولو في الدواوين واملصالح، وأتحفني بأخبار املقيم والغادي والرائح، وإن لاح
لك في مدحي فرصة، فانتهزها عسى تزول بها عني الغصة؛ لأعود يا أبي، كما كنت
إلى منصبي. فأجابه الشيخ بالطاعة والسمع؛ لطمعه في الحصول منه على النفع، ثم
ٍّ ودعه وانقلب إلى داره، وأمر كلا من زوجته وأولاده بالتجرد عن أطماره، وصعد بهم في
الثلث الأخري من الليل على السطح، وكان يحفظ من القرآن الشريف سورة الفتح، فتلاها
بسكينة وخشوع، وقد تناثرت من عينيه الدموع، وقال: يا أولادي، أنتم تعلمون ما كنا
ُ فيه من الفقر، وعري البدن والفاقة التي تقصم الظهر، وإن هذا الرجل امل ْحِسن تكفل
لنا باملئونة والكسوة، ودفع عنا بما وصلنا به من الإحسان ما كان للزمن من الجفوة،
فارفعوا أكف الضراعة بإخلاص، واطلبوا منه جل وعلا إنقاذه من ضيق الأقفاص،
َّ وعودته إلى ما كان عليه من الإقبال، وامتيازه في الدَرجة عن الأقران والأمثال، وقد استمر
ِ معهم على ذلك نحو سنة، لا تأخذهم فيها عند السحر نوم ولا سنة.
فلما كان في أول ليلة من شهر الصيام، خلعوا ملابسهم والناس نيام، ودعوا
وعليهم أمنت الوالدة، وكانت أبواب الدعاء مفتحة والأيام مساعدة، فاستُجيب دعاء الوالد
والأفراخ، وانتُشل الرئيس من وحلة الطرد وما له من الأوساخ، وذُكر عند الوزير بخري
في الديوان فأمر برده إلى منصبه، وانجلت عنه غياهب الحرمان، وعند فراغ الشيخ في
صبيحة هذه الليلة من عبادته سعى إلى خدمته على حسب عادته، فتعذر عليه الوصول
إلى الجناب، بسبب ازدحام الحمري والبغال والخيل على الباب، وملا أعياه ذلك، وضاقت
َ عليه املسالك، قال لبعض الخدم، وكان اسمه كعب بن قدم: كيف السبيل إلى لقاء السيد
الجليل؟ فقال مستهزئًا به وقد رجمه بالحصى، وضربه على كتفيه بالعصا: من أنت أيُّها
ُ الحقري، حتى تحظى بمقابلة الرئيس الخطري؟ إني أظن يا سخيف العقل أنك مجرد
من حلية الفضل، أيخطر ببالك أنه باق على عهده القديم، أو أنه يجد وقتًا يستغرقه
في منادمة النديم؟! أما علمت يا خرفان أنه تحول من شان إلى شان، وأنه أماط عنه
جلباب التواضع والفتور، واستعد ملباشرة الأمور، وكأن به قد أهمل الرفيق، وتغافل إلا
عن الرحيق.
فقال له الشيخ: كذبت فيما ادعيت، ولا جرم أنك عليه افتريت، وسأقص عليه خبرك؛
ليقطع من الدنيا أثرك، فقال الخادم: يا شيخ الضلال سترى، أن مثلي ما كذب وما
44
املقالة الخامسة
افترى، وكان الأقرع قد تعب من طول مدة الوقوف، فرجع إلى داره بالخيبة والكسوف،
ُتي به في هذا اليوم،
وبمجرد دخوله العتبة، قال له ابنه أبو رقبة: يا أبتي، إن الراتب ما أ
وإنه لا قدرة لنا في الليل والنهار على الصوم؛ فسكت الشيخ على مضض، وقد اعتراه من
شكوى ولده املرض؛ لأن عائلته ملا كانت كثرية العدد، كان لا يبقى من مرتبها اليومي
أدنى شيء إلى غد، ويُقال إنَّهم باتوا في هذه الليلة بلا زاد، وإن أحوالهم قد تبدلت بعد
الصلاح بالفساد.
ثم انتبه الشيخ من نومه ونهض في يوم الأحد، إلى ملاقاة مولاه الأوحد، فلم يصل
َّ بأي حيلة إليه؛ لكثرة الازدحام عليه، وقد استمر على ذلك أربعة أيام، مضت عليه كأنها
لطولها أربعة أعوام، وخطر بباله في اليوم الخامس، أنه يدخل عليه وهو في الديوان
جالس؛ لعله يفوز من الاجتماع معه بعد الوحشة بالاستئناس، فانتهز فرصة استراحة
الحراس، وأيقن أنه بزعمه أتقن الحيل، واندفع في قاعة جلوسه على عجل، وتأمل فيها
فوجدها ملونة الجدران واسعة، وهي لأنواع الظرافة والزخرفة جامعة، وشاهد في صدرها
ًشبحا كأنه أسد، أو آدميٍّ َّ ا مشوه الخلقة كالرصد، وقبل أن يدنو منه ويفوز بالقصد، سمع
َّ منه صيحة هائلة كالرعد، فانقلب على ظهره وسحبوه، وطرحوه على الأرض وضربوه،
ً وقال له زعيم الأعوان نذير، موبخا له على فعله النكري: لك الويل يا أغبر، يا مهني يا
قبيح املنظر، كيف خاطرت بنفسك، وتجاريت على ارتكاب ما يسوقك إلى رمسك؟! ثم
تفل في وجهه وصفعه، وقال: على أبيك اللعنة وعليك معه، اذهب — لا كنت — من حيث
أتيت، وإن رجعت بعدها إلى هذا البيت، أشبعناك ضربًا، ودفناك بالحياة غصبًا، تبٍّا لك
يا سلالة الأنذال، ويا حثالة أسافل الجهال، كيف تسعى بقدمك إلى إراقة دمك!
َّم َّ ا انفلت الشيخ من أيدي الأعوان اللئام، وقد خف عنه بعض ما كان يجد من
لَ
فَ
الآلام، أخذ يمشي الهوينى حتى انتهى إلى منزله عند الغروب وهو في ارتباك، وقد أشرف
من الضرب بالسياط على الهلاك، ودخل على زوجته وشقه مائل، والدم من رأسه سائل،
فقالت له: من فعل بك هذا يا ابن شعلان؟! قال: فعله جماعة من الأعوان، بعد ما أفرطوا
في السب واللعن، وأوعدوني إن لقيني أحد منهم بالطعن. فقالت له: لعلك ما عرفت
لزعيمهم حقه، ولا استعملت معهم في كلامك الرقة، فعوقبت على قلة أدبك، بما أودى بك
ِج ُب ُ عليك مع فقرك، وزيادة فاقتك وع ْسرِك؛ أنك يا أقرع بالنزر
إلى سوء منقلبك، وإنَّه يَ
اليسري تقنع. فقال لها: إني دخلت في قاعة الرئيس الهمام، لزعمي أني له من جملة
ً الخدام، فسحبوني على وجهي قهرا، وعاملوني بضد عدل كسرى، هنالك نسيَ ْت بما ناله
45
املقالات الأدبية
من العذاب الأليم، ما كانت فيه مع عائلتها من النعيم، وتمثلت وهي على جمر الغضا
بقول من مضى:
أيا ويح ر ده مهندقعدم و الاف فامينقضي فه يرلاجه ي مأرب
يكدر عيش المرء بد ع صفائه وإن ما كسا ثوبًا من العز يسلب
ثم قال لها: يا حليلتي، ويا صاحبتي وخليلتي، إن هذا الرجل قد غدر بي ومكر،
وجعلني عبرة ملن اعتبر، وانقطع عنا كما تعلمني الراتب، وزحفت إلينا جنود النوائب،
ُ فاخلعي مع البنات ما عليكن من اللباس، ولنقل بأجمعنا: اللهم يا شديد الباس، اشدد
ً وطأتك عليه، وافصله من منصبه ولا تنظر إليه، وليكن ذلك سريع ً ا معجلا، لا بطيئا
ً مؤجلا.
لعن اله ل من يرى الضر للنا س ويسعى في كشف حال الخلائق
رب فأنزل عليه سوط عذاب وارمه الآن في أشد المضايق
وأذقه نكال بطشك واصرم عمره في دياره بالصواعق
ايشد دي المحال شدد عله ي الـ ك ـرب وانصب ه ل شباك العوائق
وكان دعاؤهم عليه كل ليلة في وقت الفجر، فاستجاب الله منهم في عامهم وقُضي
الأمر، ومنع عن مباشرة وظيفته، بعد إحالته على خليفته، وكان السبب في إبعاده على ما
قيل في هذه املرة، هو أنهم رموه بقتل خادمه سكران بن خمرة؛ لادعاء بعضهم عليه أنه
َّ جمع ما جمع من الرشوة، وصرفه في سبيل اللهو والصبوة، وملا عاد إلى ما كان فيه من
الضيق والكرب، وكان في هذه الدفعة قد انتقم من الحساد بالضرب، أغضب الصديق
والجار، وفي حكمه على الجميع جار، فازداد عليه حنق العاقل والأحمق، ونظر إليه كل
ِّ واحد منهم بعني العدو الأزرق، وبعد أن مكث في سجنه نحو شهر، يتقلب وحده على
الجمر، تذكر الأقرع بن شعلان، الذي كان يأتيه بالأخبار في بعض الأحيان، وكان هذا
َّ الشيخ عند ذلك يقول، وجسمه من السغب في نحول: ليت شعري هل يسمح الزمان
َّ الذميم، بالقرب من سدة الرئيس الك
املقالة الخامسة
ويتعلل بلو وليت، ويقول هيهات هيهات، أن يرجع ما فات! إذ دخل عليه بشري، غلام
الرئيس الخطري، وكان قد بعث به إلى هذا الأقرع، فانطلق إلى منزله كلمح البصر أو
أسرع، وقال له بعد السلام والتحية: أجب مولانا صاحب السدة السنية، وكان الشيخ
لا يعرف هذا الغلام، مليح الصورة رشيق القوام، فقال له: ومن هو هذا الأمري، الذي
تدعوني ملقابلته وإليه تُشري؟ فقال: هو سيدك ونصريك، وعدتك في شدتك ومجريك، وإني
أيها الشيخ الفقري، أعتذر لك عنه في التقصري، وقد جاء معي أخي عنبر، وهو واقف أمام
بابك الأكبر؛ فلثم الشيخ يده اليمني، وقال له: مرحبً ُ ا بك أيها الأمني، وكان الغلام قد
هيَّج فيه شهوة الطمع، وأعطاه من النقود كمية اندفع بها عنه الوجع، ووعده بأموال
َّ وضياع، ورفاهية أحوال ومتاع، فلم تكن إلا هنيهة من الزمن أو لحظة، حتى نال الشيخ
من هذا الطلب حظه، وبمرافقة الغلام إلى مولاه سمح، وعفا عن دهره املسيء وصفح،
ُ وبعد صلاة الظهر لبس أطماره البالية، وتمنى مفارقة عيشته غري الحالية، وسار مع
الرسول، ولسان حاله يقول:
سامح زمانك إن أتى بد ع العناد مسالا م
واقل ب معر اذي امرئ أولاك مه ن مكارام
فلما دخل عليه في قاعة الجلوس، ودنا منه بوجه غري عبوس، وانكب على القدمني،
وقبلهما بعد اليدين، قال له: ما الذي قطعك عني، وأنت بمنزلة الروح مني؟ فقال:
قطعتْني عنك السياط، وحرماني أنا وعيالي من املرتب للسماط، فتأسف عليه وتألم،
وقال: تاهلل يا أبا مريم، إني ما رأيتك منذ عدة شهور، مع احتياجي لك في بعض الأمور،
وإني ما أشرت إلى أحد بضربك، ولا أغريته على شتمك وسبك، ولا أمرت بقطع الراتب،
َ بعد قيده في سجل الكاتب، فقال له: يا سبحان ربي! أما أنت الذي أشرت بضربي، وأمرت
بقطع معاشي، وشق ريش رياشي؟ فقال: لا وحرمة ما لك عليَّ من الخدامة، ما وقع في
حقك ما يُ َ وجب امل ْ لامة، فإن كان قد أصابك من الإهانة، ما يقضي بالانخفاض بعد علو
املكانة، فلا تحمله على الاستخفاف، بمن هو دونك ولو من الأجلاف، بل احمله على رداء
إبليس، الذي يستر به عني كل رئيس، عند قيامه بوظيفة جليلة؛ ليُنسيه صديقه وخليله،
ِّ ويضرب الحجاب بينه وبني العدو والحبيب، حتى لا يميز البعيد من القريب.
فلما سمع الشيخ منه مقاله، عرف أنه صادق املقالة، وصفا له وقبل عذره، وانقاد
له وامتثل أمره، وشرع على جري عادته في
املقالات الأدبية
من الأكدار، وضاعف له أرزاقه، وحل منه الفقر وثاقه، وكساه حلة جديدة، وملأ بطنه
َّ الجائع بالثريد والعصيدة، وأقطعه ضيعة خصبة، ذات بساتني وعيون عذبة، يقال إن
َّ غلتها لا تنقص في كل سنة، عن مائتني من الد ُ نانري امل ْستَحسنة، ووعده أنه إن عاد إلى
منصبه الفخيم، وانجلت عنه دياجي العزل الوخيم، كان أول داخل عليه وآخر خارج
من عنده، وشاركه في أمره ونهيه وحله وعقده، فعند ذلك قال له الشيخ بعد أن أخذ
عليه العهود: سترجع إلى منصبك على رغم الحسود، ثم تركه ومضى إلى البيت، يعدو
على رجليه كالجواد الكميت، وقال لزوجته: أيتها الوليفة، إن الرجل تاق إلى الوظيفة،
فاستعدي للدعاء له لا عليه، عسى يعود منصبه إليه. فقالت له: إنه ما عرف لك هذه
َ املنْقَ َّ بة، ملا ساملته الأيام وجلس على املرتبة، وإننا لا نزال بخري، ما دام هو في ضري، وقد
َ رأيت بالأمس ما فعله. فقال: لا تثريب عليه يغفر الله له، ثم دعا فأجيب بعد مدة من
الزمن إلى ما طلب، وفاز الرئيس من دعائه بالأرب.
وكان الشيخ قد احتال حتى خرق سقف مخدع ظريف في الطريق املوصلة إلى
الديوان املنيف، وانتظره إلى أن ركب ومن تحته عبر، فأدلى من الخرق رداء حجب بصره
َ عن النظر، فانزعج الرئيس وقال وهو في حالة الخوف: ما هذا امللم الذي حَّرك مني
الخوف؟ فقال له الشيخ: يا مولاي، لا بأس عليك، هذا ردائي قد سبقت به إليك، حتى لا
يتمكن إبليس من وضع ردائه على وجهك املهاب، وأعود أنا إلى ما كنت فيه من العذاب.
فلما عرفه ذهب عنه الروع والاضطراب، وأنزله من املخدع وقربه منه كل الاقتراب،
ووصله واتصل به غاية الاتصال، وعاش معه في أرغد عيش بلا انفصال، حتى أدركه
ِ الحمام بعد ثمانية أعوام، ولم يزل أولاد هذا الشيخ من بعده، رافلني عند الرئيس في
ُحلَل رفده، ناطقني بشكره، إلى أن ثوى بقبره، تغمده الله برحمته ورضوانه، وأسبغ عليه
النعم السرمدية في جناته، ومتعه فيما بها من القصور، بوصال الحور الفائقة في الحسن
على تمام البدور.

Search (Don't Edit)